حيثيات آخر أحكام قاضي "تيران وصنافير" بإلزام الحكومة بضمان الحياة الكريمة للصحفي

الخميس 28-07-2016 PM 07:46
حيثيات آخر أحكام قاضي "تيران وصنافير" بإلزام الحكومة بضمان الحياة الكريمة للصحفي

المستشار يحيى دكرورى

في آخر أحكامه التي أصدرها قاضي "تيران وصنافير" من منصة محكمة القضاء الإداري بالقاهرة، قبل أن يتولى منصبه الجديد في رئاسة الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع طبقًا للائحة مجلس الدولة، أكدت محكمة القضاء الإداري الدائرة الأولى بالقاهرة، برئاسة المستشار يحيى راغب دكروري، النائب الأول لرئيس مجلس الدولة، أنَّ الحكومة مُلزمة بأن تضمن الحياة الكريمة للصحفي وأسرته، وأن نصوص الدستور ليست توجيه للحكومة، بل مُلزمة لسلطات الدولة.

وقضت المحكمة، بإلغاء القرار السلبي للمجلس القومي للأجور، بالامتناع عن وضع الحد الأدنى للأجور للجماعة الصحفية.

وقالت المحكمة في حيثيات حكمها، إنَّ الدستور المصري يقيم البنيان الاجتماعي والاقتصادي على عدد من الأسس والمبادئ التي تتمثل في العدالة الاجتماعية وإقامة التوازن بين الملكية والعمل، فكما كفل الستور الملكية وأوجب حمايتها وصونها، فقد جعل لها وظيفة اجتماعية في خدمة الاقتصاد القومي دون انحراف أو استغلال أو تعارض مع الخير العام للشعب، كما أعلى الدستور من قيمة العمل، واعتبره حقًا واجبًا وشرفًا، وأوجب على الدولة كفالته، كما أوجب عليها الحفاظ على حقوق العمال وذلك بضمان المقابل العادل لأعمالهم وضمان حد أدنى للأجور، وكفل للعاملين نصيبًا في إدارة المشروعات وفي أرباحها ولم ينطلق من فكرة الصراع بين العمال وأصحاب رأس المال، وإنما من فكرة التعاون والتكامل بينهما بما يحقق خدمة الاقتصاد الوطني وزيادة الدخل القومي وعدالة التوزيع ورفع مستوى المعيشة والقضاء على البطالة وتحقيق زيادة فرص العمل، كل ذلك بما لا يهدر حقوق العمال أو يخل بها.

وأضافت المحكمة، أنَّ المواثيق والاتفاقيات الدولة، قد كلفت حق العاملين وعلى قمتهم الصحفيين في الحصول على أجر عادل وضمان حد أدنى للأجور كالاتفاقيات الدولية الخاصة بالعمل بداية من الاتفاقية رقم (26) التي اعتمدها مؤتمر العمل الدولي عام 1928 والاتفاقيات اللاحقة، وكذلك الاتفاقية الدولية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي أقرّتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 16/12/1966، وتمَّ الموافقة عليها بقرار رئيس الجمهورية رقم 537 لسنة1981 ، ونشرت بالجريدة الرسمية بتاريخ 8/4/1982 ولها قوة القانون في البنيان القانوني المصري، وقد تضمنت هذه الاتفاقية في المادة (7) التزام الدولة بكفالة حق العمل في شروط عمل صالحة وعادلة تكفل لهم أجوراً عادية ومعيشة شريفة لهم ولعائلاتهم ولا ريب أن العمل الصحفي يعتمد على الجهد الذهني والبدني، وقد اختلفت النظريات الاقتصادية حول أسس تحديد الأجر، إلا أن التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهده العالم وانعكس صداه إلى جميع الأنظمة الاقتصادية، وامتد أثره إلى الدساتير ومنها الدستور المصري، كشف عن ضرورة الالتزام بمبدأ عدالة الأجر ومبدأ الحد الأدنى للأجور.

وذكرت المحكمة، أنَّ المُشرّع أنشأ المجلس القومي للأجور برئاسة وزير التخطيط، على أن يشكل بقرار من رئيس مجلس الوزراء، وأسند إليه الاختصاص بوضع الحد الأدنى للأجور على المستوى القومي بمراعاة نفقات المعيشة، وبإيجاد الوسائل والتدابير التي تكفل تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار، بالإضافة إلى الاختصاصات الأخرى التي حددها المشرع له أو التي يحددها رئيس مجلس الوزراء في قرار تشكيل المجلس، وصدر قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 983 لسنة 2003 بتشكيل المجلس القومي للأجور برئاسة وزير التخطيط، مرددًا نص القانون في شأن اختصاص المجلس بوضع الحد الأدنى للأجور، وناصًا على اختصاص المجلس كذلك بإجراء الدراسات اللازمة لإعادة النظر في الحد الأدنى للأجور في مدة لا تجاوز ثلاث سنوات على الأكثر ومن ثم فان مقتضي نص الدستور علي ضمان حد أدني للأجور، ونص المشرع في قانون العمل على إنشاء مجلس قومي للأجور يختص بوضع الحد الأدنى للأجور، أن دور الدولة في هذا الشأن هو دور إيجابي وليس دورًا سلبيًا، فلا يجوز لجهة الإدارة أن تترك تحديد أجور العمال لهوى أرباب الأعمال من أصحاب راس المال دون التزام منهم بحد أدنى للأجور، مستغلين حاجة العمال إلى العمل، وإجبارهم على تقاضي أجور غير عادلة، لا تتناسب مع الأعمال التي يؤدونها، ولا تساير ارتفاع الأسعار وزيادة نفقات المعيشة، ومن ثم فإنَّ على جهة الإدارة ممثلة في المجلس القومي للأجور أداء الالتزام المنوط بها دستوريا وقانونيا بضمان حقوق العمال وكفالة الأجر العادل لهم، وعليها واجب التدخل لضمان الحد الأدنى لأجور العمال، فلا يجوز لها أن تتخلى عن واجبها إهمالًا أو تواطؤًا، وهو ما يوجب على المجلس القومي للأجور المبادرة إلى الالتزام بأحكام الدستور.

واختتمت المحكمة، أنه لا حجة في القول بأن النصوص الدستورية والتشريعية المشار إليها هي من النصوص التوجيهية التي تستنهض عزم الحكومة على تحديد حد أدنى للأجور مجازاة للدول المتقدمة، لأن من شأن هذا القول إهدار هذه النصوص الأمرة التي تتظاهر على تصميم كل من الدستور والقانون على إلزام الحكومة بوضع حد أدنى للأجور ضمانا لتحقيق العدالة بين العاملين ومن ثم فإن عليها أن تهب لتحديد هذا الحد الأدنى و إجراء الدراسات اللازمة في موعد لا يجاوز ثلاث سنوات المنصوص عليها في قرار رئيس مجلس الوزراء بتشكيل المجلس القومي للأجور ضمانًا لاستمرار موافقة الأجور للظروف الاقتصادية والاجتماعية، لأن رئيس مجلس الوزراء تنفيذا لمقتضى القانون قد شكل المجلس القومي للأجور لتحقيق غايتين الأولى هي الإشراع بوضع حد أدنى للأجور والثانية  للاستمرار في الدراسات لإعادة النظر في مدة لا تجاوز ثلاث سنوات، فإذا طنت الإدارة أن تشكيل المجلس المذكور هي غاية الالتزام المنوط بها لاستكمال الشكل الحضاري أمام العالم دون أن يكون له أثره الفعلي على روافد الحياة الواقعية للعاملين، فإنّها تكون قد أخطأت في فهم نصوص القانون والدستور، وتخلّت عن التزاماتها ويشكل مسلكها قرارًا إداريًا سلبيًا معيبًا ومخالفًا للقانون.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أخبار متعلقة

التعليقات

عاجل