محلة زياد.. القانون إذا توفى

«الوطن» تقضى يوماً فى «محلة زياد» بعد أن سحل أهلها شابين وقتلوهما بتهمة اختطاف فتاة
كتب : محمود الجارحى وأحمد فتحى السبت 23-03-2013 07:16
الضحيتان اثناء صلبهما فى موقف السيارات الضحيتان اثناء صلبهما فى موقف السيارات

ليست مدينة، وليست قرية.. هى «محلة زياد»، وكفى..الآن يكفيها اسمها.. تلك المنطقة الموغلة فى أعماق الدلتا، باتساع 3 كيلومترات، تقع كحلقة وصل مترامية الأطراف على حدود محافظتى الدقهلية والغربية.. ارتبط اسمها مؤخراً، بواحدة من أبشع جرائم القتل الجماعى، التى أودت بحياة شابين فى مقتبل العمر بعد سحلهما والتمثيل بجثتيهما نهاراً، جهاراً مطلع الأسبوع الماضى، بعد اتهامهما بمحاولة خطف فتاة فى توك توك.

تؤدى كل الطرق الزراعية فى محافظتى الدقهلية والغربية إلى محلة زياد.. «القرية أو المدينة الصغيرة»، كما يحلو لأهلها تسميتها، تتبع القرية مركز سمنود بمحافظة الغربية، تبدو تائهة بين رياح المدن وطباعها وأنفاس القرى وموروثاتها الطاعنة فى القدم.. لا يزيد عدد سكانها على 120 ألف نسمة، ترتفع بينهم نسب المتعلمين بخاصة الحاصلون على مؤهلات عليا ومتوسطة.

لافتات على مدخل القرية تروى وقائع الجريمة وتؤكد: «زياد بلد الرجالة وبناتنا خط أحمر»

عند مدخل القرية، لا تزال اللافتات معلقة.. كلها تتحدث عن الجريمة أو موقعة الثأر.. صبى صغير ينظر لإحدى اللافتات وهو ينطلق مسرعاً بدراجة.. «أيوة إحنا رجالة وبناتنا خط أحمر..»، يضحك الصبى ويعبر ولا يبدو عليه أنه يعى جيداً معنى الكلمات المكتوبة باللون الأحمر: «محلة زياد بلد الرجال.. بنات الزياد خط أحمر.. زياد بلد الكرامة»، ويعلق رجل خمسينى: «أموت وأعرف مدير الأمن، يقصد مدير أمن الغربية، رأيه إيه دلوقت.. مش كان بيجيب فى سيرة ستاتنا.. وكل ما نشتكيله يقول كل واحد يخلى باله من نفسه.. ويضحك: «خد بالك إنت من نفسك».

تتألف القرية بحسب التقسيمات الإدارية، من مئات المنازل والبيوت التى تصطف بارتفاع 5 طوابق على الأكثر، على جانبى ما لا يقل عن 10 طرق أسفلتية بخلاف الشارع الرئيسى الذى يشق القرية إلى نصفين يفضى كل منهما إلى فراغ الزراعات التى تتناثر بها بيوت تعد على أصابع اليد الواحدة.

وكالعادة يعمل عدد لا بأس به من الأهالى فى وظائف بالقاهرة الكبرى، بينما يفضل الغالبية السفر إلى الخارج وتحديداً إلى السعودية والإمارات وغيرهما من الدول العربية بحثاً عن حياة أفضل وفرصة عمل أفضل، وهناك من امتهن الزراعة كمصدر رئيسى للقمة العيش..

زياد باشا منذ 200 سنة

والد القتيل عبد الرحمن

لا تبعد «محلة زياد» التى تحمل هذا الاسم نسبة لأحد الباشوات الذى استوطنها قبل 200 سنة، سوى 12 كيلو متراً عن مركز شرطة سمنود، ومسافة تقل عن 7 كيلو مترات عن مركز شرطة المحلة الكبرى على طريق المحلة - سمنود الزراعى.

وبالنسبة لقرية بها مدرستان للثانوى العام، وأخريان ثانوى تجارى وصناعى و3 مدارس إعدادى و5 ابتدائى ومجمع أزهرى يضم جميع مراحل التعليم الخاصة بالتعليم الأزهرى، فقد تم إنشاء نقطة شرطة بها، يرأسها ضابط برتبة نقيب ويعاونه أمين شرطة و3 مجندين ومخبر.

نقطة الشرطة موجودة بالشارع الرئيسى، و100 متر فقط تفصلها عن مكان الجريمة التى وقعت الأسبوع الماضى، النقطة عبارة عن طابقين، مدخلها موصد ببوابة حديدية.. .العاملون بالنقطة أثناء ارتكاب الجريمة أحكموا إغلاق البوابات.. وأخرجوا رؤوسهم من النوافذ يتلقون على مدار 4 ساعات درساً فى فنون سلخ اللحم البشرى.

الأهالى يفتخرون بتدينهم وجريمتهم فى الوقت نفسه

الخدمات الطبية متوفرة فى القرية.. هناك مستشفى حكومى وآخر خاص، بالإضافة إلى عدد من العيادات الخاصة والصيدليات التى تزيد على السبعين ومجمعين للخدمات الطبية والتعليمية، «تحت مسمى الجمعية الشرعية»، بالإضافة إلى 20 مسجداً يفتخر بها أهالى القرية ويدللون بوجودها على تدينهم وقوة إيمانهم فى الوقت الذى يتحدثون فيه بنشوة عن جريمة شارك فى ارتكابها المئات منهم.

«التوك توك»، هو وسيلة التنقل الداخلية فى القرية والأجرة موحدة.. جنيه واحد للفرد.. هناك أيضاً «الميكروباص»كوسيلة نقل جماعى بين القرية والقرى المجاورة لها.. «بنود وعزبة نظيف ومجول ومنية سمنود وكفر الصارم».

شارعان رئيسيان.. يحددان جغرافيا القرية.. الأول شارع «بورسعيد» وهو مدخل القرية ويقسمها إلى نصفين والشارع الآخر اسمه «الشارع الكبير»، وهناك أيضاً 4 مداخل وجميعها تبدأ وتنتهى بالطريق الزراعى، المدخل الأول من اتجاه المحلة الكبرى وصولاً إلى القرية، والثانى من اتجاه محافظة الدقهلية مروراً بقرية «بنود» المجاورة للقرية ولكنها تابعة لمحافظة الدقهلية وأيضاً هناك طريق المقابر - سمنود المحلة، وطريق قرية مجول المحلة.

ثرثرة بمذاق الدم

الأهالى هنا لا يكفون عن الثرثرة.. ثرثرة.. تنز دماً له مذاق نحاسى بطعم الدم المتجلط.. فى المقهى القريب من موقف السيارات حيث نفذت جريمة الإعدام يستعيد الأهالى التفاصيل من الذاكرة، وهم يشيرون إلى أدوات القتل.. الحبال، العصى، والشوم والأسلحة البيضاء ولطخات الدماء فى جنبات المكان.

لا تتوقف الألسنة عن سرد تفاصيل المذبحة.. تبدو نشوة الانتصار والتشفى ظاهرة فى كلماتهم، تدور بينهم حوارات جانبية لا تنتهى عن الواقعة، بعضهم يقول بعد أن مل من سماع الحكاية وترديدها: «بصوا يا جماعة اللى حصل ده كان لازم يحصل من 3 شهور» وأحدهم يرد: «دول عيلين يستاهلوا الحرق.. حرق إيه.. الحرق شوية أهو خفيوا فى ستين داهية»

يضحك أحد الأهالى ساخراً: «وقال إيه حرام اللى إنتم عملتوه.. اتنين حرامية كانوا عايزين يخطفوا طفله.. ده جزائهم.. الشرطة مش عارفة تجيب حقنا.. يبقى إحنا لازم ناخده بالقوة».

يهز أحد الجالسين رأسه: «على فكرة بقى اللى حصل ده حرام، القتل والقصاص ماشى.. بس مش سحل وذبح وشنق»

يشير أحد الأهالى وهو يتحدث لـ«الوطن»، إلى حبل لونه أصفر وآخر أخضر معلقين داخل موقف السيارات فى الشارع الرئيسى، ده مكان الشنق، وبفخر: قعدنا 4 ساعات نموت فيهم زى الفيران.

ويعود لأصل المشكلة: المصيبة كانت صغيرة وكبيرة.. بدأت بسرقة «بوك» (حافظة نقود حريمى) من سيدة فى السوق واستمر الموضوع 3 شهور حتى انتهى بشنق وسحل الولدين..

الدور على مين

الواقعة ارتكبها المئات منهم على مدار 4 ساعات بالقرب من نقطة الشرطة

ويشرح: «حوادث السرقة كانت كل يوم اثنين وخميس فى السوق منذ حوالى 3 أشهر بدأت أحداث بسرقة بوك من واحدة ست وكل ما نروح للشرطة، الضابط اللى موجود هناك، يقول كل واحد ياخد باله من نفسه أنا هاعمل إيه، خلاص بقى اتعودنا، وبقينا نسأل بعض من اللى عليه الدور فى السرقة لحد ما الموضوع كبر وتحولت حوادث السرقة إلى حوادث اختطاف وحدثت 5 حالات اختطاف وطلب فدية من 5 عائلات بالقرية، وتنوعت الوقائع وكانت اختطاف ربة منزل ونجلتها وبعد ذلك اختطاف 4 فتيات خلال الأيام الماضية، وتحولت أيضاً حوادث السرقة من السوق إلى مكتب البريد الذى يبعد عن نقطة الشرطة قرابة 50 متراً، الحرامية من بجاحتهم كانوا بيسرقوا أصحاب المعاشات والحوالات البنكية التى تأتى من الخارج حتى منازل القرية تعرضت إلى السطو المسلح وسرقة مشغولات ذهبية وكل الكلام ده حصل.. ومفيش أى تدخل أمنى، وفى النهاية، مدير الأمن تعدى بالسباب والشتائم على نساء القرية وخاض فى أعراضهن، ده ما يرضيش أى حد.. يعنى اللى حصل ده مش من فراغ».

قتلوا ابنى الوحيد

زخم الحادث لا يشغل أهالى قرية «محلة زياد»، فحسب لكنه موجود بطعم آخر لدى أهالى قرية منية سمنود وهى قرية القتيلين وهى قرية تابعة لمركز أجا بمحافظة الدقهلية، مشاهد القتل المتصلة على مدار 4 ساعات لا تزال عالقة فى رأس «مصطفى»، والد عبدالرحمن البرعى، الذى شاهد وقائع مقتل نجله «ابنى لو كافر مكنش اتعمل فيه كده.. الناس دى كفار واللى عملوه.. مخالف للشريعة والقانون.. وللكتب السماوية كلها حتى الكفار كانوا يطعنون بالسيف بس ولم يقوموا بالتمثيل بالجثث».

ابنى عبدالرحمن، شاب عنده 19 سنة، حاصل على دبلوم صنايع، الأب الذى يعمل سائق قطار يتحدث عن الجريمة، قائلاً: «دول ميعرفوش الإسلام ولا الرحمة، 8 آلاف شخص يقتلون شابين دون أى ذنب.. حسبى الله ونعم الوكيل، ربنا ينتقم منهم ومن الرئيس اللى خلى البلد توصل للحالة دى..

حرام، والله عبدالرحمن، ابنى وحيد اللى جالى هدية من ربنا بعد عذاب 20 سنة».

سرقوا «التوك توك»

الأم لا تزال تتذكر آخر لحظات ابنها: «عبدالرحمن» وزميله «محمود السويدى»، استقلا «توك توك» إلى أحد أقارب محمود فى محلة زياد للحصول على السولار من محطة وقود محلة زياد التابعة لمركز سمنود بمحافظة الغربية.

وتحكى عن الجريمة: اعتداء أهالى القرية على الشابين كان بقصد سرقه التوك توك وتعذيبهما وإجبارهما على الاعتراف باختطاف فتياتهم وأطفالهم، حسبى الله ونعم الوكيل، عبدالرحمن ابنى الوحيد اللى طلعت بيه من الدنيا.. ده قدره.. بس اللى اتعمل فيه ده ما يتعملش فى واحد يهودى، منهم لله.

أما الشاب الثانى، «محمود السويدى»، 18 سنة وهو طالب بالثانوية العامة بمدرسة منية سمنود، فوالده يعمل بالكويت ووالدته ربة منزل وهو وحيد والديه ولديه 5 شقيقات.

الأب والأم يدخلان فى نوبة بكاء.. الأب حمدى السويدى يكتفى بقوله: «حسبى الله فى الإخوان المسلمين وفى الدولة ربنا ينتقم من الشياطين اللى عملوا فيهم كده»

.. .. .. والنهاية

أسرتا المجنى عليهما، تقدمتا ببلاغ رسمى بقسم شرطة مركز سمنود وتم اتهام عدد من عائلات قرية محلة زياد وهى عائلات الجزار والأعرج وقنديل والدرمساوى عبدالمعطى بقتل الشابين وأمرت النيابة العامة تحت إشراف المستشار، محمد الطنيحى، رئيس نيابات شرق طنطا الكلية بالتحقيق مع المتهمين والاستماع إلى أقوال شهود الواقعة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيالها.

التعليقاتسياسة التعليقات

لا يوجد تعليقات
اضف تعليق