ماريان سعيـد ماريان سعيـد أن تكون صحفيا و"دم أخيك يصرخ من الأرض"
الأربعاء 12-04-2017 | PM 01:40

تزداد الأصوات من حولي، وصخب الحياة يخنق روحي، الجميع يثرثرون، "انفجار، شهداء، دم، أشلاء، طوارئ، حداد، بكاء، نحيب، جرحى، إرهاب، قنبلة، انتحاري"، أصبحت المفردات المتداولة مؤلمة، نُجبر على كتابتها وتناولها يوميًا بل نفكر في كيف نصوغها، وكيف نستخدمها، وكيف نكتب بها وعنها.

"الدم".. من اشتم رائحته مرة لن يفارق أنفه أبدا، صوته لا يعلو عليه صوت "دم أخيك يصرخ من الأرض"، الأرض لا تشربه تلفظه تتركه شاهدا تتركه يصرخ فينا.. "أين أخوك".

لا يعنيني كل هذا الصخب، مر يومان والشاشات هدأت إلا من شارة الحداد، وبدأ رواد التواصل الاجتماعي الحديث في أمور أخرى كعادتهم، قل اللون الأسود في الشوارع، هدأت نبرة المواساة، لكن الخوف يتصاعد في الأرواح.

"أسبوع الآلام"، وخصوصًا الجزء الأخير منه، تعمر الكنائس بالمصليين، أخي شماس، ويحرص على الحضور يقف وسط أقرانه بزهو طفل يحفظ الألحان باللغة القبطية، يرددها بصوت طفولي عال، سقط منه ربما حرفين، تشاهده أمي في الصفوف الأولى، بنشوة لا مثيل لها، كأب ترك ابنه يكبر تكبيرات العيد في مكبر الصوت بالمسجد مثلا.

- ماريان أكويلي التونيا.

منذ انفجار "البطرسية" في العباسية، وأنا أحارب شعور القلق عليهما، وخصوصًا في الأعياد، فلم يلبث قلقي يهدأ في يوم أحد السعف حتى سمعت نبأ انفجار طنطا، حاولت أن أهدأ جاهدة، نحن نبعد عنه، لكن مع خبر انفجار الإسكندرية أصبح الأمر قريبا جدا، قريبا إلى حد مرعب، ربما سلسة تفجيرات، من استطاع أن يفعلها مرتين سيفعلها ثالثا ورابعا، قريبا إلى درجة أني أصبحت اتفحص الأخبار خوفا من انفجار ثالث في الكنيسة التي يصلي بها أخي وأمي.

اليوم لست إنسانا بل صحفيا، وجزء من منظومة إعلامية مهنية، لا مجال للمشاعر، نهتم للخبر للموضوعية للسرعة في نقله والتأكد منه، نسأل عن أعداد القتلى لكتابة رقم صحيح "مجرد رقم"، أصبح الموت أرقام، نكتب كلمة أشلاء بكل أريحية، فهي مجرد كلمة، الصور تتناثر حولنا، نحاول منع الشنيع منها، لكن تبقى في الذاكرة، تحفر على الوجوه .

مقاطع الفيديو والصور مسجلة كلها في عقولنا، موشومة على أرواحنا، مطبوعة على ملامحنا، الحزن يختبئ بين طيات الغضب، على وجوه تحاول الابتسام، لن يحل هذه المعادلة المؤرخون في كتب التاريخ وهم يرصدون الحدث، سيكتبونه بنفس الجفاء الذي نكتب به أخبار الموت.

أحيانا ما يكون البكاء بديهيا، أن تبكي وأنت لا تعلم السبب، تبكي رغم أنه لا يفيد، لا تعلم إن كان بسبب ما حدث أم من القلق على ما هو آتٍ، تبكي مسلما بأن الحياة أقصر كثيرا مما نظن، والموت لا يؤذي إلا الأحياء، والألم باقٍ بقاء الدم.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل