سحر الجعارة سحر الجعارة وتركَنا «درويش» فى مهب الورق
السبت 12-08-2017 | PM 09:59

«أنا يوسف يا أبى.. يا أبى، إخوتى لا يحبوننى، لا يريدوننى بينهم يا أبى، يعتدون علىّ ويرموننى بالحصى والكلام.. يريدوننى أن أموت لكى يمدحونى»..

كان لا بد -إذن- أن يموت «محمود درويش»، ربما يجتمع العرب فى جنازته، أو ترقد الذاكرة الوطنية فى قبره.. كان لا بد أن يحدد موعداً لموته المؤجل وينهى حياته المحنطة بين أبيات شعر.. لم تهده «تأشيرة عودة» ولم تغير «المستحيل»!.

الموت كان طريقته الوحيدة لفهم الحياة.. لغته الخاصة، وطنه الذى لم ينفِه، ولم يحدد إقامته، ولم يسلبه حق الغضب، أو يصادر صوته.. عاش موته ألف مرة، وربما لم يمُته حتى الآن.

ربما يطل علينا «درويش» من أعلى، يفتش عن حنين لأمه ضاع فى زحام «القضية»: (أعشق عمرى لأنى إذا مت أخجل من دمع أمى!.. خذينى إذا عدت يوماً وشاحاً لهدبك، وغطى عظامى بعشب تعمَّد من طُهر كعبك.. وشدى وثاقى بخصلة شعر بخيط يلوح فى ذيل ثوبك.. عساى أصير إلهاً، إلهاً أصير.. إذا ما لمست قرارة قلبك).. وصار إلهاً لمملكة الشعر.. ولكن بعيداً عن حضنها حتى قبره كان أبعد من أن تصل إليه الأم العجوز!

مات «درويش» حين حكموا على «نزار قبانى» بالزندقة، وعرف أن مملكة الشعر هوت، وعلى أنقاضها قامت ممالك الكفر والانتهازية وتجار الدين ومرتزقة الأوطان.. حين فتش عن «فلسطين التى عشقها.. فلم يعرف ملامحها: (لولا الحياء والظلام، لزرت غزة، دون أن أعرف الطريق إلى بيت أبى سفيان الجديد، ولا اسم النبى الجديد!.. ولولا أن محمداً هو خاتم الأنبياء، لصار لكل عصابة نبى، ولكل صحابى ميليشيا!. أعجبنا حزيران فى ذكراه الأربعين: إن لم نجد من يهزمنا ثانية هزمنا أنفسنا بأيدينا لئلا ننسى!.. مهما نظرت فى عينى.. فلن تجد نظرتى هناك. خطفتها فضيحة!).

اغتالت الفضيحة قلب «الثائر»، لم يشأ أن يحضر «مأتم القضية»، ويقدم العزاء لمن يهتف على جثة ضحيته (أخيه): (الله أكبر).. وحده رأى شجر الزيتون يذبل والعصافير تهاجر من رائحة البارود وزهر البنفسج حزين، تشابهت عليه وجوه الأنبياء والميليشيا، فاقتلع هويته من بين ضلوعه (وهى لا تزال قيد التأليف).. ما معنى الوطن إذا كانت «السلطة» أهم من «الأرض»!.

ساعتها فقط اختار «درويش» إجراء عملية القلب المفتوح فى تكساس وهو البلد الذى يكرهه، فقط لأنه يؤيد الموت الرحيم.

وعاد إلى «سيدة الأرض» ليستقر أخيراً فى قلب تراب «رام الله».. عاد ليحرس أحلام الشهداء، يصد عنهم قصائد الرثاء.. يعيش موته الممكن بعدما أصبح له أخيراً «عنوان».. (الشاعر يحتاج إلى وهم قوة القصيدة ليبرر وجوده، كما أن الشعر يبقى أكثر فى الذاكرة لأنه ليس له عنوان محدد).

وهناك فى «رام الله» أصبح أباً، وهو الذى لم يتزوج ولم ينجب أطفالاً، فلم يكن يرغب فى جلب المزيد من اللاجئين الفلسطينيين إلى العالم.. لكن أطفال فلسطين يحتاجون لرصاصات كامنة بين قصائده، إلى خبزه المعجون بالمقاومة، وأصبح للأطفال «أغنية وقصيدة وحجر». (سنصير شعباً حين لا نتلو صلاة الشكر للوطن المقدّس، كلما وجد الفقيرُ عشاءه.. سنصير شعباً حين نشتم حاجبَ السلطان والسلطان، دون محاكمة).

ارتضى «محمود درويش» أن يجمع حبات الحكمة من هزائمه وشتاته بين المدن ومعاركه مع كل سلطة غاشمة، اعتاد أن يعشق ليرحل فى عالم من الأبجدية: (يعلّمنى الحب أن لا أحب ويتركنى فى مهب الورق).. ثم غزل حكمته مثل عقد ياسمين وعلقه برقبة طفلة فلسطينية.. لتدرك يوماً أن الوطن ليس سؤالاً تجيب عنه وتمضى.. إنه حياتك وقضيتك معاً.

كان «درويش» ساحراً فى حزنه، آسراً فى غضبه، عادلاً فى حبه، حاسماً فى موته!

ربما مات «محمود درويش» يوم تفرق الدم الفلسطينى بين الفصائل، ربما مات يوم أصبحت «القضية» مجرد رقم فى بنوك سويسرا.. ربما مات يوم سأل: (من يدخل الجنة أولاً؟ من مات برصاص العدو، أم من مات برصاص الأخ؟

بعض الفقهاء يقول: رب عدو لك ولدته أمك!.).. ثم تركنا من بعده نعيش فى حالة احتضار طويل.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل