راجى عامر راجى عامر أوروبا تخشى القطار المصري
السبت 12-08-2017 | PM 09:12

 

الحادث المأساوي لتصادم قطاري الإسكندرية بالأمس، يدفعني لتذكر حادث تصادم آخر وقع بين قطارين في الإسكندرية أيضًا ولكن قبل 160 عامًا بالضبط.

وقتها كانت السكك الحديد لا تزال في بداية عهدها عندما قرر رئيسها مستر جرين -وكان شقيقًا لقنصل إنجلترا في مصر- أن يستقيل فأسند الوالي رئاستها لنوبار بك الذي جاءه في أول أيام عمله خبر تصادم القطارات، وبعد التحقيق اكتشف الإنجليزي المستهتر سائق القطار الأول خرج بالجرار في جولة، دون إذن، فاصطدم بالقطار الثاني!

كان هذا الحادث رسالة كافية ليفهم نوبار بك أن نجاحه مقرونًا بوضع نظام صارم للعمل يقضي على الفوضى.. وعندما هدد السائقون الأجانب بالإضراب عن العمل، أقالهم وسمح للمصريين للمرة الأولى بقيادة القطارات وهو الأمر الذي أفزع الوالي وجعل بعض الأمراء يعلنون عدم استخدامهم للسكك الحديد مجددًا، فيما انزعجت أوروبا من القرار فاحتج رسميًا قنصلا إنجلترا وفرنسا بجانب وزير النقل والمواصلات الإنجليزي وأجمعوا على رفضهم لقيادة المصريين للقطارات باعتباره خطرًا على كل ما يسير على السكك الحديدية!

ومع تمسك نوبار بك بقيادة المصريين للقطارات، بعد أن حصلوا على التدريبات اللازمة وأثبتوا كفاءتهم وفق منظومة عمل ناجحة، ونتيجة لرفضه التراجع والاعتذار عن قراره، فقد سكت الجميع بينما ختم القنصل البريطاني حديثه قائلًا: "طالما أنت على رأس الإدارة سأكون مطمئنًا أنه لن يحدث أي إهمال، لكن من يعرف كيف سيكون خليفتكم؟!".

تعاقب الخلفاء والمسؤولون على إدارة السكك الحديد إلى أن وصلنا إلى حادث قطاري الإسكندرية ليتحدث البعض عن رعونة العنصر البشري ويظلمونه بتحميله المسؤولية وحده فيما أعاد آخرون نشر فيديو قديم قيل إنه لسائقين يشربون المخدرات في أثناء قيادة أحد القطارات!

ولأن أحداث التاريخ تتشابك كامتزاج عناصر المادة الواحدة، فإن المصائب تحمل الأسي في ظاهرها بينما تحتفظ في قلبها بالأمل في التغيير بشرط استيعاب خلل المنظومة بأكملها بداية من الإشارات التي لم يتم استكمال تحديثها حتى العنصر البشري الذي يبدو أنه لم يحصل على التدريبات اللازمة منذ زمن أسرة محمد علي!

كان حادث الإسكندرية مفزعًا أكثر من تخوفات الوالي والأمراء والقناصل مجتمعين وهو ما يجعلنا نتمسك بالأمل في ضرورة اعتبار تطوير السكك الحديد هدفًا قوميًا يلزمه توفير التمويل اللازم لخطط التطوير التي إذا عجزت ميزانية الدولة عن الإيفاء به، فالكثيرون لديهم الاستعداد للمشاركة والدعم سواء بصيغة اكتتاب شعبي أو غيرها من الطرق حتى لا نفقد ضحايا آخرين أو نضطر لإرسال اعتذار لأوروبا بعد قرابة قرنين من الزمن!

تعليقات الفيس بوك

عاجل