محمود البرغوثى محمود البرغوثى ضرب المنتجين .. خطة المستوردين لمزيد من الجوع
الثلاثاء 10-10-2017 | PM 10:04

من يظن أن هناك فائدة اقتصادية لمصر من تدمير منظومة إنتاجية قوامها 75 مليار جنيه، وتشريد وتعطيل نحو 3 ملايين عامل وموظف، وذلك باستيراد الدجاج مجمداً، قد يتجاهل عمداً أن قروض هذه الصناعة من مدخراتنا البنكية أصبحت محركاً أساسياً فى عجلة الاقتصاد الكلى، وتقدر بالمليارات.

ضربة جديدة تنتظرها صناعة الدواجن، أهم القطاعات الحيوية المسئولة عن البروتين الأقل تكلفة والأعلى قيمة غذائية وصحية، بعد أن نجح قبل 2006 فى وضع مصر على خريطة الدول المنتجة فى هذا المجال، حيث كشر أباطرة الاستيراد عن أنيابهم من جديد.

فى 2006 تحديداً منيت مصر بهجمة بيولوجية، انتهت إلى تصنيفنا «منطقة موبوءة» بإنفلونزا الطيور، ويومها تم تجنيب الحل العلمى بإعدام القطعان المصابة وتعويض أصحابها من «صندوقهم الخاص»، لتُستخدم الطرق البليدة، فى التطعيم والعلاج، فيتفشى الفيروس، وتعود مصر إلى حافة الهاوية فى هذه الصناعة، كانت مصر تصدر الدجاج الطازج المبرد إلى أفريقيا، والخليج العربى، كما نجحت فى تصدير بيض التفريخ، والمائدة مجمداً ومجففاً لصالح الصناعات الغذائية، كما صدرت الخبرات المتراكمة فى هذه الصناعة، وبعد نحو عشرة أعوام من النقاهة، نجحت الجهود فعلاً فى استعادة العافية إلى هذا القطاع، الذى اقترب من حد الاكتفاء الذاتى بإنتاج نحو 2.3 مليون دجاجة يومياً، مع ترك فجوة استيرادية استراتيجية صغيرة جداً، قوامها لا يزيد على 10% من حجم الاستهلاك اليومى، لكن المستوردين المتطلعين إلى حصة الحوت، سربوا للمسئولين ذعراً مفاده أن وباء الإنفلونزا سيقضى فى الشتاء على مزارع الدواجن، ولا سبيل للاحتياط إلا برفع الجمارك عن الدجاج المستورد،

حالت العناية الإلهية دون تمرير المخطط، واستجاب مجلس الوزراء للرأى الأصوب، مع إلزام اتحاد منتجى الدواجن بتوريد 20% من إنتاج أعضائه الكبار إلى وزارة التموين، بأقل من سعر التكلفة بنحو 7 جنيهات للكيلو، مع تعويض الفارق للمنتجين من حساب «تعويضات الأوبئة» الذى تهيمن عليه وزارة الزراعة بالمخالفة للوائح، وللأسف، التزمت الشركات، وتملصت الوزارة، لتظهر فى الأفق سحابة تنذر مرة أخرى بعاصفة مدمرة لهذا القطاع، ومستثمريه ومربيه الصغار، والفئات التى تعيش على هامشه.

مهمة كشف النوايا «غير الحسنة» تصدت لها اليوم الجمعية المصرية لمنتجى الدواجن، وهى الجمعية التى تضم فى عضويتها صغار المربين، وليس «عتاولة» هذه الصناعة، والهدف: محاولة شطب المخطط الإجرامى الذى رسمه أباطرة استيراد الدواجن من الخارج، على جثة الاقتصاد الوطنى.

وتضامناً مع هذه الجهود، تفرض عدة أسئلة نفسها على المعنيين بأمر سد الفجوة الغذائية للمصريين، بالإنتاج، وليس بالاستيراد والإغراق، منها:

1- ما خطة الدولة لاستيعاب نحو 3 ملايين عامل يعيشون على هذه الصناعة، ويعولون نحو 3 ملايين أسرة قوامها نحو 15 مليون نسمة، حال نجاح المخطط؟

2- ما مكسب الدولة فى ضرب قلاع الإنتاج التى تمثل ثروة وطنية فى عصب الاقتصاد، وتستقطب العمالة من المناطق المهمشة فى صعيد مصر وريفها؟

3- ما خطة الدولة لاستيعاب الآثار السلبية المترتبة على إغلاق المشاريع العملاقة، ومنها: مزارع الأمهات، مزارع البياض، معامل التفريخ، مزارع التسمين، مصانع الأعلاف، ومصانع الأدوية البيطرية الوليدة؟

4- ما الخطة الموازية للدولة لمواجهة الآثار السلبية المتعلقة بتهديد حركة الاستثمار الأجنبى فى مشاريع الإنتاج الداجنى، بعد أن أعلنت صناديق أفريقية رغبتها دخول هذه السوق، استثماراً للخبرات المتراكمة لدى المصريين فى هذا المجال، والأجواء المناسبة لتربية الدواجن فى صحارى مصر؟

5- ما خطة الدولة لمواجهة الآثار المترتبة على إغلاق مصانع الأعلاف، ودولاب العمل فى هذه التجارة على مستوى الجمهورية؟

6- ما البديل الذى ستوفره الدولة لاستثمارات تقدر حالياً بنحو 75 مليار جنيه.. سيتم تجميدها وهدرها فى مزارع ومجازر ومصانع أعلاف ستصبح «خردة»؟

7- ما خطة الدولة حين ينجح المستوردون فى هدم هذه الصناعة بالاستيراد لمدة عام، وبعدها تتجه الشركات الأجنبية لرفع الأسعار، كما حدث سابقاً فى تجربة الاتحاد السوفيتى، قبل أن يعيد الرئيس بوتين هذه الصناعة للصدارة مرة أخرى؟

8- ما خطة الدولة لتأمين كبار المستثمرين من مخاطر الإفلاس، وتشريدهم مئات الآلاف من الموظفين، ووقف سداد اشتراكاتهم فى التأمينات الاجتماعية، وعجزهم عن سداد قروض البنوك؟

9- ما خطة الدولة لمواجهة حالة الحبس الجماعى التى ستطال صغار المربين الذين سيعجزون عن سداد ديونهم لشركات الأعلاف والأدوية البيطرية؟

10- ما خطة الدولة البديلة لتدمير نشاط تربية الدواجن المنزلية، الذى يعيش عليه أكثر من 40% من القرويين هرباً من البطالة، والهجرة صوب القاهرة؟

11- ما خطة الدولة لتوفير زراعات بديلة عن الذرة التى كانت وزارة الزراعة قد بدأت خطة طموحة لتشجيع زراعتها بالتعاقدات مع مربى الدواجن، ومصانع الأعلاف المحلية؟

12- هل تعرف وزارة التموين أن الاستهلاك المحلى فى مصر من لحوم الدواجن يقف عند 10 كجم للفرد، مقابل 20 كجم فى أفريقيا، و40 فى الخليج، و60 فى أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة، كما أن متوسط الاستهلاك الفردى العالمى ارتفع خلال الأعوام الثلاثة الماضية بنسبة 2.7 كيلو جرام/فرد؟

13- هل تعى وزارة التموين أن صناعة الدواجن هى الحل الوحيد لسد الفجوة الحادة فى اللحوم الحمراء فى مصر؟

14- ألم تطلع الحكومة المصرية على تجربة البرازيل حين حكمها «ماسح الأحذية» لولا ديسيلفا، وكانت (زراعة الذرة وإحياء صناعة الدواجن) أداته الرئيسية لإنقاذ الدولة من الإفلاس، لتصدر البرازيل اليوم طلعة كل شمس نحو 70 مليون دجاجة؟

نهاية: مهما بلغت أهمية الاستيراد، يظل الإنتاج هو الأولى بالرعاية كونه سبباً رئيسياً لخلق فرص العمل، وبالتالى حفظ السِلْم الاجتماعى، خاصة فى الدول النامية.

أيضاً: أسعار الدواجن ليست فى أيدى المنتجين، وإنما تهيمن عليها شبكة سماسرة، مطلوب من وزارة التموين والتجارة الداخلية أن تجتهد لضربها، بدلاً من ضرب المنتجين الذين يبيعون اليوم بـ15 جنيهاً للكيلو الحى فى المزارع، ويحصل عليه المستهلك بـ23 جنيهاً.

تعليقات الفيس بوك

عاجل