خديجة حمودة خديجة حمودة أنهار الفرح
الأربعاء 11-10-2017 | PM 10:02

أجمل إحساس يمكن أن يغمر الإنسان فى أى مرحلة من مراحل عمره منذ طفولته وحتى النهاية، مروراً بجميع محطات حياته، هو الفرح. ولجمال الكلمة وتناغم حروفها وراحة الشفاه واللسان أثناء النطق بها بخلاف الكثير من الكلمات التى ننطق بها فنشعر بالإجهاد والتكلف فقد انتشرت كاسم مرغوب وجميل بين المواليد الإناث. وإذا كان معناها بكل بساطة هو السرور والبهجة فقد أصبحت هى المعنى الوحيد لليلة الزفاف، وإذا قال أحدهم (دعيتكم لفرح ابنتى) كان المعنى الدعوة لأجمل أيام العمر عند العروس والأسرة كلها.

ويقال إن الفرح (الصفة) تعنى أن الإنسان مبتهج وانشرح صدره فهو فرح، ومصدر هذه الصفة فرح بفتح الفاء وكسر الراء والجمع أفراح. وللحق أقول إن أفراح المصريين تجمعت مؤخراً فى شهر من أجمل شهور السنة مناخاً وأحداثاً وتنبؤات العرّافين. فبعد أن احتفل المصريون بيوم ٦ أكتوبر وذكرى ذلك الانتصار الذى هزّ وغيّر جميع النظريات العسكرية فى العالم منذ ٤٤ عاماً جاء الفرح بعد ساعات على يد صانعه المبدع محمد صلاح وأياً كان الحدث رياضياً أو عسكرياً فنتيجته واحدة، والإحساس رائع لكن أروع ما فيه أن يجتمع عليه أو أن يوحد بين شعب بأكمله بل على الأرجح بين منطقة كاملة أجهدها الصراع والإرهاب ودعوات الانفصال والدماء وفرقت بين أبنائه السياسة والأهواء والمطامع الشديدة فى خيرات بلادنا العربية. ومن ضمن عادات المصريين المنتشرة بين جميع الطبقات الإحساس بالخوف مع أى فرحة كبيرة، وهذا الخوف منبعه القلق من انتهاء الفرحة أو تحولها لألم وحزن فاعتادوا ترديد كلمة (اللهم اجعله خير)، ولأن الفرح من أجمل المشاعر فقد ذكر فى القرآن الكريم ٢٢ مرة؛ ومن ضمن تلك الآيات ما يجعل انقباض الناس عند الفرح مبرراً مثل سورة يونس الآية ٢٢: (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِى الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ)، وتكرر نفس المعنى فى سورة الأنعام آية ٤٤: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً)، وفى سورة القصص آية 76: (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)، ويقصد فى تلك الآية قارون الذى بلغ به الزهو والكبر والعجب بما بيده من المال والثروة فحذره قومه من فرح الزهو بالمال وفرح الانخداع بالحياة الدنيا مما ينسى الإنسان ربه وعهده والدار الآخرة، وسورة آلِ عمران ١٨٨: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)، فقد ذكر المنافقين الذين كانوا يقولون للنبى، صلى الله عليه وسلم، إذا خرجت لنخرج معك وإذا فعل رجعوا وتركوه وفرحوا بما فعلوا فاستحقوا الوعيد بالعذاب، وقوله تعالى: (كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ)، ومعنى ذلك أن الفرح أنواع منه الطيب الذى يسع القلوب، والفرح المذموم وهو الذى يكون بغير حق مثل فرح الكفار بإلحاق الضرر بالمؤمنين. ولم يتوقف الأمر عند الدين الإسلامى فقط فقد ذكر الفرح فى آيات من الكتاب المقدس؛ ففى رسالة بولس إلى أهل فيلبى ٤٠: ٤ (افرحوا فى الرب وأقول أيضاً افرحوا)، وفى رسالة يعقوب ١: ٢ (احسبوها كل فرح يا إخوتى حينما تقعون فى تجارب متنوعة)، وفى سفر المزامير ١٢٦: ٥ (الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج)، وفى سفر المزامير ٣٦: ٤ (فرح نفس عبدك لأننى إليك يا رب أرفع نفسى)، وفى رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية ١٢: ١٢ (فرحين فى الرجاء، صابرين فى الضيق، مواكبين على الصلاة).

ومن الدين إلى العلماء لنقرأ أن الأبحاث العلمية أثبتت أن ١٠٠٪‏ من الأمراض العضوية التى يصاب بها الإنسان ترجع لأسباب نفسية ولقلة إحساسه بالبهجة والفرح وتحديداً تكون بسبب الطاقة الحيوية الخارجة من الجسد مما يؤدى للخلل. ومن هنا جاءت فكرة العلاج بالطاقة الحيوية عن طريق مساعدة المريض على إخراج الطاقات السلبية من داخله وشحنه بطاقات إيجابية تضاعف سرعة العلاج خمسة أضعاف، وذلك من خلال تتبع مسارات وحجم ونوع الطاقة بداخله. ولأن الفنانين هم ترمومتر الفرح والسعادة والحب فى العالم كله فقد كتبوا كثيراً عن الفرح، وكذلك الفلاسفة، فنجد فريدريك نيتشه يقول: (نسمع فى لحظات الفرح الغامر صرخات الرعب والبكاء الموجع اشتياقاً إلى شىء ما فقدناه بلا رجعة)، متحدثاً عن الفرح، أما إبراهيم الفقى فيقول: (الألم هو بداية الراحة، والتعاسة هى بداية الفرح، والفشل هو بداية النجاح، عِش كل لحظة كأنها آخر لحظة)، أما وليم شكسبير فله رأى، إذ يقول: (الأمل بالفرح يوازى الفرح ذاته). ولأن الشعب المصرى من الشعوب العاطفية التى يقلقها البحث عن الفرح فقد تغنى به كبار مطربيها وله، ولم ينس مبدعو السينما أن يطلقوا هذه الكلمة على فيلمين من أجمل ما شاهد المصريون؛ الأول (منتهى الفرح)، ظهر عام ١٩٦٣ وكان فيلماً غنائياً لقصة وسيناريو جليل البندارى، والثانى عام ٢٠٠٩ (الفرح)، الذى أبدع فيه خالد الصاوى وجومانة مراد ليؤكدا للجميع أن الفرح هو ما نبحث عنه جميعاً.. ملأ الله قلوبكم أحبتى بالفرح حتى يفيض أنهاراً.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل