طارق سعد طارق سعد تخاريف محمد صبحى
الخميس 12-10-2017 | PM 07:37

"اتفقت أنا وزوجتى أن نربى أبنائنا على الأخلاق والقيم لنقدمهم إلى المجتمع أبا عظيما وأما فاضلة ولكننا اكتشفنا أننا فى مجتمعنا من يفسد ما زرعناه فيهم وهؤلاء على أن أربيهم أولا" ــ مادة 2 لسنة 1995 ــ

"إذا كنا قد ربينا أبنائنا على الأخلاق والقيم فعلينا الآن أن نعلمهم كيف يجملون صورة مجتمعهم ويقاومون إغراء المفسدين بضمائر قوية بذلك نكون قد قدمنا لمجتمعنا أبا عظيما وأما فاضلة"ــ مادة 3 لسنة 1996 ــ

إنه دستور "محمد صبحى" الذى وضعه لنفسه أولاً قبل أن يضعه لعمل صنعه خصيصا ليساهم فى تأسيس جيل كامل على "دستور أسرة ونيس" ويكون "ونيساً" لأجيال متعاقبة تستلهم منه الطريق الصحيح ليصبح مادة فعالة طويلة المدى يحقن بها أحداث المسلسل بطول أجزائه فيتشبع بها المشاهد دون أن يشعر ويصبح بداخل كل منا "ونيس صغير" ويصبح نموذج "أسرة ونيس" هو النموذج الحلم المحاكى لحلم "المدينة الفاضلة".

الحقيقة أن "يوميات ونيس" لم يكن أول طريق "صبحى" فى هذا الاتجاه ولكنه مؤمن بأفكار ومبادئ يطبقها دائماً فى أعماله ومن أهمها مسرحية "الهمجى" الذى عالج فيها خصال الإنسان السيئة كالكذب والحسد والشك والخيانة وكيفية تزيين الشيطان وتبريره لها ولكن على رأس مشواره كان "سنبل" الذى صنع به نموذجاً لرحلة الكفاح والوصول للهدف وغرز به فكرة تحدى المستحيل ليتعلق به الجمهور على مدار السنين ويصبح الاسم الحركى لـ "صبحى" حتى ظهور "ونيس" الذى أصبح ترجمة لاسم "محمد صبحى" ولكن يظل "سنبل" هو الأب الروحى.

"سنبل" الذى كان نقطة التحول فى مشوار "صبحى" تحول من شخصية فنية إلى واقع مادى ملموس عندما قرر "محمد صبحى" أن يترجم أحلامه بالمدينة الفاضلة وينشئها بنفسه .. مدينة فنية ثقافية تعطى الفرص للمواهب فى مختلف الفنون لتخرج للنور بعد العمل عليها وإثقالها ومن جانب آخر استقطاب "أطفال الشوارع" لرعايتهم وإعادة تأهيلهم وتهذيب أرواحهم بالفن ليعيد إنتاجهم للمجتمع فى صورة جديدة مفيدة يخرج منها أبا عظيما وأما فاضلة فأطلق عليها اسم "مدينة سنبل" رغم أن الأوقع كان تسميتها بـ "ونيس" لتلاقى أهدافهما ولكنه فضل "سنبل" ربما وفاءاً للشخصية التى منحته النجومية الخاصة جدا والتجهيز قبل أن تذيع شهرة "ونيس" فضلاً عن مناداته بتعمير الصحراء فى المسلسل.

الهدف النبيل الذى أسس عليه "صبحى" مدينته كان غريباً ومثيراً للدهشة فكيف لنجم كبير أن يذهب لهذا الاتجاه ولا يذهب لمشروعاً تجارياً يجنى ثمار أرباحه ويزيد من رصيده البنكى ويختار مشروعاً مجتمعياً فى المقام الأول يقوم هو بتمويله وحمل همومه ومتاعبه فوق همه الأكبر وهو إنتاج الصورة التى يتمناها ليساهم بها فى تحسين المجتمع وكان السؤال الأكثر اندهاشاً هل مازال هناك من يتمسك بمبادئه وأحلامه بهذا الشكل؟!

وكان التخوف الأكبر.. هل سيتركه المجتمع لتنفيذ مدينته الفاضلة بكل هذه البساطة بلا مقاومة؟!

سنوات طويلة قاتل فيها "صبحى" لتحقيق حلمه مصارعاً كل المعوقات فى طريقه بوطنيته الشديدة وحماسته وحميته التى جعلته يترك كل أحلامه ليساهم فى مشروع قومى وطنى بكل طاقته فيقرر تطوير العشوائيات بمؤسسة متخصصة ويجوب العالم لتدعيم تلك المؤسسة فى نفس الوقت التى تصارع زوجته المرض الخبيث ويعانى هو من آلام عصب الوجه فيسافر بها لتتلقى العلاج ثم يكمل رحلته مهموماً بحلمه الأكبر لتطوير وتجميل بلده بقوة ثنائية من"سنبل وونيس" اللذان اجتمعا بداخله يقودانه بكل الطاقة لتكرمه حكومة الجماعة الإرهابية وقتها بسحب أرض "مدينة سنبل" ويواجه "صبحى" بكل إمكانياته للحفاظ على مدينته التى بناها بعرقه ووضع فيها كل أحلامه.

 

الحقيقة المؤسفة أن "مدينة سنبل" لم تنجب لـ "سنبلها" الأبناء التى تمناها ففى وسط كل الصراعات التى خاضها "صبحى" لم تحقق هدفها المثالى الذى أسست من أجله واكتفت بأن تصبح "لوكيشن" مميزاً يتم حجزه لتصوير الأعمال الفنية به فى مجتمع استكثر على شخص يطمح فى المثالية أن يعطيه جزء منها.

غالباً ما يهاجم "صبحى" من البعض ويتهمونه بالمثالية الزائدة ومن نفس هذا الـ "بعض" من يلقبونه بـ "ناظر المدرسة" الذى يريد إعادة تقويمهم وربما إعادة تربيتهم فيقاومون كل أحلامه وطموحاته فى غد أفضل ويسخرون من رؤيته وتحليله للأمور بل أيضاً من أعماله التى يغلفها بالجانب التربوى كتمثيل أو تجربة تقديم برنامج تليفزيونى فهؤلاء يرون أن كل هموم وأحلام وأفكار "صبحى" لمجتمعه فى أعينهم مجرد "تخاريف" ليس لها علاقة بالواقع وبالطبع يقصدون الواقع "العشوائى" الذين تسببوا فيه بهذه المقاومة السلبية فقط ليثبتوا أنهم هم أصحاب النظرة العميقة الصحيحة وهى ما تسببت فى انهيارات الدولة منذ 2011!

يبدو أن "صبحى" كان موفقاً فى اختيار اسم مسلسله "فارس بلا جواد" وكأنه يصف حاله وهو يحارب من أجل أفكاره وحيداً بلا سند حتى فقد  زوجته "ونيسه" الوحيد ورفيقة مشواره والتى تراها وكأنها ضربة قاصمة أفقدت الفارس الكثير من قوته وقدرته.

صفقة بيع "مدينة سنبل" هى فى الأصل "صفعة" رغم كل المبررات التى صاغها "صبحى" بأنه قرر التفرغ لفنه وأن رجل الأعمال المالك الجديد سيستطيع عمل تطويرات كبيرة بإنشاء أكاديمية فن ضخمة رغم أن محطته الفضائية التى يمتلكها لا ينجح فى تطويرها لتصبح جاذبة للإعلانات فتتسائل أين كان أصحاب رؤوس الأموال طوال تلك السنوات التى حارب فيها "صبحى" لتحقيق حلمه أو أن "صبحى" نفسه رفض مشاركتهم خوفاً من تشويه الحلم وتحويله تجارياً؟!

نسبة الـ "20%" الشرفية التى تم منحها لـ "صبحى" مع الاحتفاظ بـ "سنبل" مع اسم مجموعة المالك الجديد وتعاون فنى قد تكون مُرضية لـ "صبحى" ولكنها غير مُرضية إطلاقاً لمن عاش معه الحلم وانتظره حقيقة يوماً ما رغم كل التحديات ليستيقظ على انهياره فيما لم يتبقى منه سوى "مسرح صبحى" مصدر احترام الجميع والذى أصبح يبعد عن مدخل العاصمة بأكثر من 20 كيلو فى قلب اتجاه الإسكندرية الصحراوى ليتحول الذهاب إليه بمثابة "علقة ساخنة" خاصة لبعض الشباب والأسر الصغيرة!

ربما استسلم "صبحى"  بعدما أنهكته صراعات المشوار الطويل والمقاومات والعراقيل ثم رحيل زوجته فرأى أن القادم لا يتحمل المزيد وتخوف من أن تصبح "مدينة سنبل" مستقبلاً مدينة أشباح فاتخذ قراره بأداء جميل راتب الشهير من قلب "مسلسل سنبل" ( بيع يا صبحى ) والمؤكد أنه يعتصره بداخله رغم ما يظهره من صمود خارجى.

صفعة بيع "مدينة سنبل" ستظل علامة على جبين كل من تغافل عن هذا الكيان وتأثيره ولم يساند نجم كبير فضل خدمة مجتمعه وتطويره على تضخيم ثروته فى عرض حى لـ "خيبتنا" قبل المسرح بينما سيظل "محمد صبحى" رمزاً أخلاقياً و"مايسترو" للنبل والقيم والمبادئ حتى وإن وصفها بعض الـ "نشاز" بـ "تخاريف محمد صبحى"!

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل