تأكد لى مما أذيع من نتائج انتخابات الرئاسة حتى الآن «الاثنين 28/5» أن أهم ما يضمن الفوز فى الانتخابات ليس الجاذبية الشخصية، ولا القدرة على الإقناع، ولا قوة البرنامج الانتخابى، ولا حتى درجة الوطنية التى يتمتع بها المرشح، الأهم من هذا كله هو «القدرة على التعبئة»، وأقصد بهذا القدرة على جمع أكبر عدد من الأشخاص المستعدين للانصياع لما يطلب منهم سواء عن اقتناع أو بدونه. ومن أكثر الأساليب نجاحاً فى حمل الناس على الانصياع لما تطلبه منهم التخويف من ناحية، والإغراء بالمال من ناحية أخرى.
لقد أدرك مكيافيلى هذه الحقيقة وسجلها فى كتابه الشهير «الأمير» منذ خمسمائة عام: معظم الناس يحركهم الخوف أو الإغراء أكثر مما يحركهم الاقتناع.
خطر لى هذا عندما عرفت بفوز محمد مرسى وأحمد شفيق بأكبر عدد من الأصوات، إذ لا الجاذبية الشخصية ولا القدرة على الإقناع... إلخ كانت أهم أسباب الفوز، بل إنها طبقا لما أعرفه وما سمعته قبل وأثناء الانتخابات لكونهما أكبر المرشحين قدرة على «تعبئة الناخبين».
فمن ناحية نحن نعرف أن القدرة المالية لكل منهما على إغراء الناخبين أكبر من قدرة أى مرشح آخر كالصباحى أو أبوالفتوح أو عمرو موسى، ناهيك عن القدرة المالية للبسطويسى أو العوا أو خالد على... إلخ.. ومن ناحية أخرى نعرف الثروة التنظيمية التى تتوافر لجماعة الإخوان المسلمين فى جانب، والحظوة التى يتمتع بها أحمد شفيق لدى الممسكين بالسلطة فى الجانب الآخر، سواء كانوا الممسكين الحاليين بالسلطة أو بقايا رجال السلطة الموروثين من العهد السابق، والذين ينطبق عليهم وصف «الفلول»، هذه «الحظوة» لدى الممسكين بالسلطة تضمن أيضاً القدرة على تعبئة الجماهير الغفيرة للتصويت لصالحك، سواء كانوا مقتنعين بك أو غير مقتنعين.
(2)
إذا كانت القدرة على تعبئة الناخبين هى إذن السبب الأساسى لفوز هذين المرشحين بأعلى الأصوات، بصرف النظر عن الصفات الشخصية للمرشحين أو قوة برنامجهما الانتخابى، فأين هو المبرر للفرح بالديمقراطية؟ من الممكن أن نفهم أن يفرح الإخوان المسلمون بهذه النتيجة وأن يقولوا إن «الديمقراطية» هى التى أعطتهم فرصة الوصول إلى الحكم «أو الاقتراب منه» بعد أن حرموا طويلا من هذه الفرصة. ولكن كيف يفرح شخص مثلى أكثر تعاطفا مع مرشحين آخرين ويعرف أنهم حرموا من فرصة الفوز، لا لقلة الجدارة ولكن لأنهم لا يحظون بنفس القدرة على «تعبئة الجماهير» وهى قدرة تعتمد على المال من ناحية، وعلى الانضواء تحت مظلة تنظيم حديدى، مثل تنظيم الإخوان المسلمين، أو على تأييد الممسكين بالسلطة؟
لهذا السبب لم أجد فى نفسى أى استعداد للفرح بهذه الانتخابات، ولهذا أيضا تعجبت من بعض التصريحات التى أدلى بها بعض الكتاب الكبار التى تضمنت تعبيرا عن فرحهم بهذا «العرس» الديمقراطى، أو بما أحرزنا من «تقدم» على طريق الديمقراطية، «هل نسيتم»، هكذا يقولون، «ستين عاما من الاستفتاءات على رئيس الجمهورية بنعم أو لا، دون أن يذكر لنا ما الذى عليه عمله إذا قلنا لا؟»، كلا، لم أنس، ولكن أيضا لا أستطيع أن أفرح بإعطائى مظاهر الديمقراطية دون حقيقتها، ما الفرق مثلا بين ما كان يفعله الإقطاعيون قبل ثورة 1952 من حشد الفلاحين فى لوريات لأخذهم إلى صناديق الانتخابات ليصوتوا لمرشح بعينه، وبين ما سمعناه فى انتخابات الرئاسة الأخيرة من حشد الفقراء فى القرى والمدن للتصويت لأحد المرشحين الكبار؟ لا فرق، إلا أن ما كان يشترى بعشرة قروش أصبح سعره الآن يتراوح بين مائة ومائتى جنيه أو كمية لا بأس بها من السكر والزيت. وعندما لا تفسد الديمقراطية بالمال، ما رأيك فى إفسادها بالتخويف؟
(3)
من المهم أن ندرك حجم الدور الذى لعبه «التخويف» فى هذه الانتخابات الأخيرة، وفى ظهور نتائجها على هذا النحو، إنى أقصد بالذات التخويف من الإخوان المسلمين، حتى إنه يخطر ببالى أحيانا أن السماح لهم بالعمل السياسى العلنى، بعد أن ظلوا مدة طويلة جماعة محظورة، قد يكون الدافع له هو تخويف الناس منهم، ولكن سواء أكان هذا الظن صحيحاً أو غير صحيح فالحقيقة المؤكدة هى أن هذا التخويف قد حدث، وأنه يفسر جزءا كبيرا من الأصوات التى ذهبت إلى أحمد شفيق وربما يفسر أيضا جزءا لا يستهان به من الأصوات التى ذهبت للمرشحين الآخرين.
هل أنا فى حاجة إلى بيان كيف يفسد «التخويف» الديمقراطية؟ أو أن أشرح كيف أن الشخص الذى استولى عليه الرعب من شىء قد يفعل شيئا كريها جدا على نفسه، لمجرد النجاة من مصدر هذا الرعب؟ إنى أزعم، بناء على ما سمعته من تبريرات الناس لاختيارهم هذا المرشح أو ذاك، أن الخوف من «الإخوان» قد دفعهم بالفعل إلى «اختيار» مرشح مكروه لهم. فهل هذا ما يمكن أن نسميه «اختيارا»؟ ومن ثم فهل هذا هو ما نقصده بالديمقراطية؟
سمعت عن هذا الاختيار المشئوم قبل وأثناء انتخابات الرئاسة كما سمعته بعدها إذ صعقت عندما سمعت لأول مرة أشخاصا أحسن الظن عادة بقراراتهم يقولون لى عن استحياء أحيانا، وبصوت منخفض، إنهم مضطرون فى انتخابات الإعادة إلى إعطاء صوتهم إلى أحمد شفيق، والتفسير جاهز وواضح وهو أن أى صوت يضاف إلى «شفيق» يقلل من فرصة نجاح «الإخوان»، «ولكن هل ترضى أن ترى أحمد شفيق رئيسا للجمهورية؟» فتأتى الإجابة: «إن أى شىء أفضل من وصول الإخوان إلى رئاسة الجمهورية!».
(4)
من المؤكد أن الإخوان المسلمين قد نجحوا فى إضافة شرائح واسعة من المجتمع المصرى. بعثوا الخوف فى نفوس الأقباط، وفى نفوس العلمانيين، وفى نفوس كثيرين ممن يعتقدون أن الحياة ليست دنيا فقط، بل دين ودنيا، وفى نفوس الفنانين والأدباء، وفى نفوس من يعتمدون فى رزقهم على السياحة... إلخ، وكل هؤلاء يشكلون مجتمعين نسبة لا يستهان بها من المصريين، وكلهم لديهم أسباب مفهومة تماماً للخوف من تولى «الإخوان» رئاسة الجمهورية، ولكن المذهل حقا والذى يدعو إلى التأمل هو أن معظم هؤلاء مستعدون لقبول أى شخص كرئيس للجمهورية ما دام ليس إخوانيا، كيف نفسر هذا بالضبط؟ لماذا يمكن أن يكون الشخص مستعدا للصبر على الفساد، وعلى استمرار التبعية لأمريكا وإسرائيل، وعلى استمرار تدهور مركز المصريين والعرب وتدهور توزيع الدخل والثروة... إلخ، أى مستعداً لقبول كل ما كان يشكو الناس منه فى عهد مبارك، وكل ما ثار عليه الناس فى 25 يناير، لمجرد ألا يستولى «الإخوان» على الحكم؟ لا بد أن «الإخوان» يمثلون فى نظر هذه الشرائح الاجتماعية كلها شيئا خطيرا للغاية، مما يستلزم محاولة اكتشافه وفهمه.
سوف أزعم للقارئ أن التهديد الذى يمثله نجاح «الإخوان» فى نظر كل هؤلاء يتعلق بما يمكن تسميته «قضية وجودية» والقضية الوجودية تهون من أجلها فيما يبدو التضحية بأى شىء مهما كان عزيزا.
الأقباط يشعرون بأن احتكار «الإخوان» للسلطة يهدد بحرمانهم من معاملة متساوية فى التمتع بخيرات هذا الوطن، بل ومن كرامة المواطن، وقد يهدد حريتهم فى ممارسة شعائر دينهم، والفنانون والأدباء يشعرون بما يهدد حقهم فى التعبير الحر عن أنفسهم، والعلمانيون يخافون من أن يعاملون معاملة الكفار المجردين من أى دين، والذين يكسبون دخولهم من السياحة يخشون من أن يضاروا فى مصدر رزقهم ورزق أولادهم.
بالإضافة إلى كل هؤلاء يأتى شعور المرأة المصرية التى تحررت عقليا ونفسيا، بفضل قرن كامل من النضال والتعليم والانفتاح على العالم، عبرت خلاله عن رفضها الكامل لنظرة تفرض على المرأة الانسحاب من الوجود باعتبارها مجرد وسيلة لجلب المتعة للرجل، وليست كائنا مستقلا له ما للرجل من قدرة على التفكير والإحساس ونفس القدرة على المساهمة فى خدمة المجتمع.
إن إثارة كل هذه المخاوف هى التى انتهت بنا إلى هذا الوضع المأساوى الذى يجد فيه معظم المصريين أنفسهم مجبرين على الاختيار بين السيئ والأسوأ ولا يختلف فيه أحدنا عن الآخر إلا فى تحديد ما هو الأمر السيئ وما هو الأسوأ منه.