الوطن تحاور قائد أوركسترا السلام بباريس: أرغب في الاحتماء بالسرير قبل الحفلات الكبرى
الوطن تحاور قائد أوركسترا السلام بباريس: أرغب في الاحتماء بالسرير قبل الحفلات الكبرى
يقف وظهره إلى الجمهور، وفي يمناه عصا طويلة ويسراه تعطي إشارات غير مفهومة إلا لعشرات العازفين أمامه ليسيروا، وفقا لها، في اتجاه واحد وتناغم يدهش السامعين، يعرف كلٌ منهم أين يبدأ وأين يتوقف ومتى يخفض صوت آلته ومتى يرفعه، ينظر إلى المايسترو الذي يمنحه نموذجا حركيا أكثر واقعية من المكتوب على الورق فيدرك العازف الإيقاع الذي يجب أن يسير وفقا له في ذلك الجزء من النوتة الموسيقية، بينما هدوء المستمعين وتركيزهم يمنحان الحفل قدسية ما.
هذا الطقس الذي يداوم المصري السويسري نادر عباسي على ممارسته منذ سنوات عديدة، يجعل منه أحد أهم قادة الأوركسترا في العالم كله، خصوصا حين تقرأ تاريخه الحافل بقيادة عدد ضخم من حفلات الأوركسترا في أكبر دور أوبرا بالعالم، كأوبرا مارسيليا وبوردو بفرنسا وأوبرا هايدلبرج وفرانكفورت بألمانيا، وكذلك عشرات الحفلات بالصين وروسيا والسويد وسلوفينيا.. "الوطن" التقت المايسترو نادر عباسي، في منزله وأجرت هذا الحوار الذي يخوض في السيرة الشخصية له، كما يحاول سبر أغوار فلسفة الأوركسترا وموسيقاه الكلاسيكية.
* كيف بدأت حياتك المهنية كموسيقي؟
- حياتي المهنية بدأت منذ الدراسة، كنت طالبا في الكونسرفتوار أتعلم التأليف الموسيقي والعزف على آلة الفاجوت، وفي الوقت نفسه أعمل عازف فاجوت بأوركسترا القاهرة السيمفوني.
* ومن أين أتى عملك بسويسرا؟
- كنت أقوم بتحضير دراساتي العليا بسويسرا، حين أعلن أوركسترا جنيف عن حاجته إلى عازف فاجوت أول، تقدمت وقتها وتم قبولي رغم وجود عدد من العازفين السويسريين والفرنسيين، كان الأمر صعبا لشخص عربي ومسلم مثلي، خصوصا فيما يتعلق باللغة، قلائل من يستطيعون الالتحاق للعمل بأوركسترا في أوروبا.
* وماذا عن التحاقك كمغني بأوبرا جنيف؟
- دراساتي العليا بسويسرا كانت عبارة عن دكتوراة في الفاجوت ودكتوراة أخرى في الغناء الأوبرالي، وحين أعلنت أوبرا جنيف عن حاجتها إلى مغنين تقدمت وتمكنت من الالتحاق بكورال أوبرا جنيف كمغني أساسي.
* حدثنا عن تجربتك الأولى لقيادة أوركسترا؟
- رغم دراستي التأليف الموسيقي في مصر، إلا أنني ابتعدت عنه لـ 8 سنوات، لكني عدت بتأليف مقطوعة حملت اسم "بين الغسق والسحر" عن قصة ريا وسكينة، تقدمت بها في مسابقة بالقاهرة وحُجبت الجائزتين الأولى والثانية وفزت بالجائزة الثالثة، وقتها عرف الموسيقيون في جنيف أن لديّ ما يمكن تقديمه في التأليف الموسيقي، فطلبت مني رئيسة الأوبرا هناك الاستماع إلى تلك المقطوعة، ثم أصرت على تحويلها إلى عرض باليه، واستدعت مصمم رقصات إيطالي، وتم عرض الباليه بالفعل في اليابان وأسبانيا ومصر، وهنا بدأت قيادتي للأوركسترا عند تسجيل حفل الباليه في القاهرة.
* هل بدأت بالتفكير في التخصص في قيادة الأوركسترا منذ قيادتك باليه "بين الغسق والسحر"؟
- نعم، درست مواد قيادة الأوركسترا بالفعل في كونسرفتوار القاهرة، لكنني دعمت دراستي النظرية تلك بالحصول على ورشة في تكنيك المشاورة العملي في ليون جنوب فرنسا لكي أتمكن من قيادة مؤلفاتي بنفسي.
* قدت باليه "بين الغسق والسحر" عام 200 ثم توليت قيادة أوركسترا أوبرا القاهرة 2002، ما الذي حدث بينهما؟
- حين تعرف عليّ أعضاء أوركسترا الأوبرا في القاهرة أعجبوا بي، وكانوا يبحثون عن قائد جديد يخلف القائد الذي كان على وشك الرحيل وقتها، ثم تولى اللواء سمير فرج دار الأوبرا وكان قد استمع إلى إعجاب الكثيرين بعملي، فطلب مني تولي قيادة الأوركسترا بشكل أساسي لكني رفضت في البداية.
* لماذا؟
- عملي في جنيف كان يدر دخلا جيدا جدا بينما دخل أوبرا القاهرة كان ضعيفا للغاية، لديّ مسؤوليات كبيرة. المفاوضات استمرت نحو عامين حتى وصلنا إلى مبلغ جيد.
* لكنك وافقت في النهاية؟
- وافقت بعد عامين من التفكير، حصلت خلالها على دبلوم قيادة وعملت كمساعد قائد وقدت مؤلفة أخرى من مؤلفاتي مع أوركسترا سويس روموند وهو الأوركسترا الأساسي في سويسرا وأحد أهم أوركسترات العالم.
* ما الذي دفعك لتغيير مسارك إلى قائد أوركسترا رغم خبرتك الكبيرة كعازف ومؤلف ومغني؟
- أستاذي الذي علمني القيادة، قال لي إنني أمضيت أعواما طويلة كعازف فاجوت وكمؤلف وكمغني أوبرالي، وستكون القيادة ممتعة في حدود إمكانياتي التي كان يؤمن بها.
* ومن أين أتت شهرتك العالمية كقائد أوركسترا يتم استدعائك في أكبر دور الأوبرا في أوروبا؟
- في 2002 كنت عائدا إلى القاهرة للتو في الوقت الذي يتم فيه التحضير لإنتاج عرض عالمي من أوبرا عايدة في الأهرامات، كان الإنتاج ضخما والعازفين أجانب وقائد الأوركسترا في الحفل، مايسرو إيطالي شهير جدا يدعى ماوريسيو أرينا، لكنه تعرض لوعكة صحية قبل الحفل بأيام فتم تكليفي بقيادة البروفات حتى يتمكن المايسترو الإيطالي من الحضور، ثم تأكد غيابه بسبب المرض وحضور مساعده فقط، وهنا تدخل سمير فرج، رئيس الأوبرا وقتها وقرر أنني سوف أقود الحفل ولن يتم الاستعانة بمايسترو أجنبي طالما القائد الأساسي لأوركسترا أوبرا القاهرة موجودا، وبالفعل قدت الحفل ونجح نجاحا كبيرا، كنت أحفظ أوبرا عايدة "صم" وشاركت بها كثيرا، كعازف فاجوت وكمغني في الكورال وكمغني لدور الملك أيضا، بعدها كتبت عني الصحافة في جميع أنحاء العالم، ومن هنا بدأت دور الأوبرا في أوروبا استدعائي لإحياء حفلات هناك.
* حدثني عن تجارب قيادة الأوركسترا في عدد من دور الأوبرا بأوروبا؟
- روسيا أولى الدول التي طلبت مني قيادة أوبرا عايدة بها، ثم طلبت مني قيادة مهرجانات لنورييف وهو أشهر راقص باليه روسي، ثم توالت الحفلات في روسيا وفرنسا والصين وأمريكا وسلوفينيا وألمانيا.
* وماذا عن أوبرا مارسيليا؟
- في تلك الفترة تركت رئيسة أوبرا جنيف التي كنت أعمل معها عملها، وتوجهت لتولي إدارة أوبرا مارسيليا بفرنسا، فطلبت مني قيادة سيمفونية فرنسية تحمل اسم "فلامنكو" فشل 3 قادة فرنسيين في قيادتها نظرا لصعوبتها الشديدة ودمجها بين الرقص الفلامنكو وموسيقى الأوركسترا الفيلهارمونيك، لكنها أعطتني الثقة نظرا لتشابه تلك السيمفونية مع مؤلفة "ريا وسكينة" التي حولناها إلى باليه في أوبرا جنيف، كان الاثنان يحتويان على إيقاعات كثيرة صاخبة، وحين نجحت في قيادة سيمفونية "فلامنكو" تعاقدوا معاي على أن أكون زائر أول، أي يتم التعاقد معي لإحياء أكثر من حفل كل عام بفرنسا، حيث قدت أوبرا عايدة وأوبرا الحفل التنكري وأوبرا "الجميلة إلين" وأبرا هاملت وأبرا "كارمن" وهي من تراث فرنسا القومي وأكبر عمل فني فرنسي خالص، وكان أمرا رائعا أن يأتوا بقائد مصري لإحياءها، بعد ذلك طلبت مني أوبرا "بوردو" قيادة "ديالوج دي كارمليت" أو محادثة الكارمليت وهي قصة شهيرة من الثورة الفرنسية.
* أنت عضو لجنة تحكيم مسابقة غناء أوبرالي في السويد.. كيف تم اختيارك؟
- حين قرر أوركسترا في السويد عمل مسابقة غناء أوبرالي، كانت لديهم رغبة في أن تحتوي لجنة التحكيم على قائد أوركسترا، ونظرا لخبرتي كقائد أوركسترا ومغني أوبرالي في نفس الوقت، وقع الاختيار عليّ. المسابقة تقام كل عامين وأعمل بها منذ 2006 حتى الآن، وكذلك أقود الحفل الختامي للمسابقة كمايسترو، ودائما ما يرفع علم مصر في هذا الحفل وإلى جانبه علم سويسرا نظرا لامتلاكي الجنسيتين.
* ما تفاصيل عملك كقائد أساسي لأوركسترا قطر فيلهارمنيك؟
- في 2008 كانت قطر ترغب في تأسيس أوركسترا فيلهارمونيك فتعاقدت مع عدد كبير من العازفين الألمان، ثم أتوا بـ 27 قائد أوركسترا فلم يقتنع بأحدهم العازفون، لكنهم في النهاية وافقوا عليّ وأصبحت مؤسس الأوركسترا وأول قائد أساسي له، ظللت هناك حتى 2012 ثم رحلت ولم نكن وقتها نعلم ما ستتحول قطر إليه، لكني كنت أشعر بعدم ارتياح هناك، كانت النظرة إليّ كقائد أوركسترا مصري مشوبة بالغيرة.
* هل يمكنك توضيح معنى "أوركسترا فيلهارمونيك"؟
- الأوركسترا أنواع، هناك أوركسترا حجرة وهو يحتوي على عدد أقل من العازفين ينبغي ألا يقل عن 35 أو 45 عازفا، كما يوجد أوركسترا سيمفوني وأوركسترا فيلهارمونيك وأوركسترا أوبرا، وهناك اعتقاد خاطئ بأن عدد العازفين في الأوركسترا الفيلهارمونيك أكبر من الأوركسترا السيمفوني وأوركسترا الأوبرا وهو غير صحيح، الأمر كله متعلق بالمهام التي يؤديها كل منهم دون النظر إلى عدد العازفين، فالأوركسترا السيمفوني لا يقوم إلا بأداء السيمفونيات فقط، وأوركسترا الأوبرا يقوم بأداء حفلات الأوبرا وحفلات الباليه، أما الأوركسترا الفيلهارمونيك فيقوم بعمل الثلاثة معا.
* وماذا عن عملك الحالي؟
- أنا الآن القائد الأساسي لأوركسترا السلام، التابع لليونسكو ومقره العاصمة الفرنسية باريس.
* بالعودة إلى فترة قيادتك لأوركسترا أوبرا القاهرة، ما النجاحات التي حققتها؟
- شارك أوركسترا أوبرا القاهرة في مهرجانات كبيرة تحت قيادتي، في ألمانيا واليونان والصين والمكسيك، فاختارت اليونان أوركسترا أوبرا القاهرة لتقديم أوبرا عايدة هناك، وكذلك في أوبرا فرانكفورت، بالإضافة إلى قيادتي لحفل عيد ميلاد موتزارت في ميونخ، ولكن دون بقية الأوركسترا.
* هل تشعر بالتوتر قبل الحفلات الكبرى؟
- طبيعي أن أشعر بتوتر، لكن الطمأنينة تأتي من تأدية البروفات بشكل جيد، كذلك لديّ درجات في التوتر، في الغناء الأوبرالي مثلا أشعر بتوتر شديد بينما يقل التوتر في الحفلات التي أشترك فيها كعازف فاجوت، فيما يقل التوتر تماما حين أشارك كقائد أوركسترا.
* كيف تشعر بالتوتر؟
- في يوم الحفل، أشعر بأن لدي رغبة في الاحتماء بالسرير والنوم للهروب من حضور الحفل، لكن بمجرد وصولي إلى القاعة يزول كل شيء.
* ما المشكلات التي يمكن أن تحدث خلال الحفل ويسيطر عليها القائد؟
- يمكن أن يبدأ أحد العازفين عزفه مبكرا، ويمكن أن يتأخر، يمكن أن يحدث تداخل بين أكثر من عازف، ودوري كقائد أوركسترا أن أراقب ذلك وأسيطر على الوضع وأتجاوز أي خطأ وأعيد توجيه العازفين إلى المسار الصحيح.




