أزمة تيران وصنافير.. وكعب «أخيلوس»!

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

فى زمن الاختلاف، يكون الصمت كنزاً، ومع احتمالات التطاول فإن النأى بالنفس حماية لها، لكن قضايا الأرض تستحق المجازفة، خاصة إذا كان الانطلاق من انتماء عميق للدولة المصرية، ما يقلل احتمالات سوء الفهم، ومن إيمان برشادة التحرك السعودى لمواجهة التمدد الإيرانى بعد سنوات من المهادنة، كادت تخنق المملكة، ما يطمئننى لتفهمها.. بداية لا أستهدف الخوض فى مستنقع البحث عن ملكية الجزيرتين، ولا جنسيتهما، تلك ليست مهمتى، ولا هذا موضعه، ما يعنينى هو البحث عما إذا كانت مصر قد مارست عليهما حقوق السيادة، ما يفرض مشاركة الشعب فى تقرير مصيرهما وفقاً للدستور، من عدمه؟ ثم ما هى انعكاسات الأزمة على أمننا القومى، وكيفية مواجهتها؟.

لا تدهشنى مقولة الرئيس «لزاماً علينا إعادة حقوق الأشقاء».. تنطلق من أخلاقيات فارس نبيل، لم يمنحه القدر دعماً كالذى حصل عليه «عبدالناصر» من زملائه الضباط الأحرار، لم يوفر له فرصة معايشة السلطة، قبل أن يحكم كـ«السادات»، ولا سنوات تدريب كنائب للرئيس مثل «مبارك».. اختطفته الظروف من العسكرية بانضباطها، لدهاليز السياسة وألاعيبها، دون سابق إنذار، لم تمهله الفرصة ليعتاد التخلى عن أخلاقيات التعامل الفردى، عندما يتعلق الأمر بالعلاقة مع الدول، حيث لا موضع سوى للمصلحة الوطنية، كدافع للتعاون، أو مبرر للصراع، وحيث السياسة فن الخداع.. فالملك سلمان -طال عمره- يُرَتب بنفسه عملية انتقال السلطة لنجله «مُحَمد»، لذلك يبحث عن إنجازات تبررها، عوَّل على الحسم العسكرى باليمن، فتعثرت «عاصفة الحزم»، واتجه للتفاوض والحلول الوسط، خطَّط لتدخل برى يغير معادلة القوى بسوريا، فتدخلت روسيا، ومنعته أمريكا، توجه نحو مصر يفتح ملفاً أغلقه «مبارك» لـ«عدم ملاءَمة الأوضاع».. فهل أصبحت الأوضاع الآن «ملائِمة»؟!.

الأولوية فى قضايا الحدود لممارسة أعمال السيادة، وهو ما تحقق لمصر على الجزيرتين قبل نشأة السعودية بآلاف السنين، بريطانيا استغلت احتلالها لمصر وضمتهما لحدود المملكة الوليدة 1932، لتستفيد من موقعهما، باعتبارها صاحبة أكبر أسطول تجارى يجوب البحار، لم تمارس المملكة عليهما لا أعمال سيادة ولا إدارة، باستثناء تفويض مصر بالدفاع عنهما 1949، مصر أبلغته لبريطانيا وأمريكا، وشرعت فى تفتيش السفن المارة عبر المضيق، إسرائيل دفعت بقوة خاصة تسللت عبر الساحل السعودى يناير 1956، وتقدمت حتى نقطة مقابلة لـ«دهب»، وتمكنت من تفقد الدفاعات المصرية ضمن عملية «العفن»، ما يسّر احتلالها للجزيرتين خلال العدوان الثلاثى، قبل أن تحررهما مصر مارس 1957، لتحتلهما إسرائيل مجدداً فى يونيو 1967.. أمريكا وإسرائيل ومصر وقّعوا اتفاقيات السلام مارس 1979 التى أدرجتهما ضمن المنطقة «ج»، ولم تعترض المملكة، مصر أنشأت نقطة شرطة 1982، وأعلنتهما محميات طبيعية 1983، والقرار الجمهورى 27/1990 بشأن خطوط الأساس لتعيين حدودنا البحرية، وضعهما ضمن الحيازة المصرية.. ألا يدخل كل ذلك ضمن ممارسة مصر لأعمال السيادة؟!.

لم يحدث فى تاريخ قضايا الحدود أن فوضت دولة غيرها بممارسة حق الدفاع والإدارة عن منطقة، واستعادتها، ولم يشهد التاريخ تسابقاً بين نُخَب وطنية للدفاع -دون خجل- عن حق دولة أخرى فى أراضٍ فاضت على ثراها أرواح الشهداء، الأصل أن يدافع الجميع، والمتشكك يلزم الصمت، وأن مثل هذه الأراضى لا تُرَد، وإذا طُلِبَت نتحسب لرد الفعل الشعبى، ونبحث عن ترتيبات مقابلة ومرضية، لا تقل فى حالتنا هذه عن جزر مماثلة، ولتكن بأرخبيل فرسان، التابع لمنطقة جازن جنوب البحر الأحمر، لتمثل موطئ قدم، يسمح بتأمين باب المندب وحماية شريان الحياة للوطن.. تلك هى لغة السياسة، وتلك أخلاقياتها.

تَغَيُّرات السياسة تثير هواجس وتطرح تخوفات تتعلق بالاتفاق.. الأولى: انتهاء أحد جانبى الجسر عند شرم الشيخ والتغيرات البيئية الناجمة عنه، بتأثيرهما السلبى على حركة السياحة الدولية.. الثانية: تأثيرات التدفق البشرى على الأوضاع الأمنية جنوب سيناء.. الثالثة: لماذا لم تُطرح منطقة بديلة على خليج العقبة لبداية الجسر بعيداً عن المناطق السياحية؟!.. الرابعة: ما علاقة انسحاب قوات الطوارئ، بتوقيت إعلان الاتفاق، وهل هناك نية لاستخدام الجزيرتين كقواعد لطائرات المراقبة؟!.. الخامسة: أين تقع المنطقة الحرة شمال سيناء؟! وما علاقتها بمشاريع مماثلة اقترحها الغرب، وحماس، والإخوان، وهل تسمح الأوضاع الأمنية بإقامتها؟!.. السادسة: ما مدى تأثير المنطقة الحرة على القناة، ولماذا لا تقام على ضفافها ضمن مشاريع تنميتها؟!.. السابعة: هل يدخل الاتفاق ضمن ترتيبات لانضمام المملكة لاتفاق السلام مع إسرائيل، دون أن تتحمل ما عانيناه من سنوات العزلة والمقاطعة؟!، وما ضمانات عدم تحول الجزر لمصدر تهديد لأمننا القومى، حال وقوع خلافات مستقبلية مع المملكة؟!.

أعداء الوطن استغلوا سوء إدارة الحكومة لملف الجزر لاستهداف النظام، لأن البديل له حالياً سقوط الدولة المصرية، وحاولوا النيل من المؤسسة العسكرية، لأنها حافظت على الدولة بعد سقوط الشرطة، وأفسدت مخطط التفتيت، أوباما يراهن على تغيير النظام قبل مغادرة البيت الأبيض، ما يفسر اهتمامه بمظاهرات 15 أبريل، كبداية لسلسلة متصاعدة، تتخللها اغتيالات، تؤشر لبدء سلسال الدم بالداخل، وتبرير التصعيد والحصار من الخارج. على الحكومة أن تدرك أن انقسام الوطن يفرض أن تكون خطواتها مدروسة جيداً، تُجَمِّع البشر لا تُعَمِق الخلافات، تتصدى للمؤامرة، لا توفر مناخ تمريرها، تتعامل مع الأزمة برؤية لا تستند لإعلام يرى فى التجاهل وسيلة تعايش مع السلطة، ولا لمطبلين يخصمون من الرصيد الشعبى للنظام، ولا من أجهزة قد تعلق عجزها عن قراءة المشهد على شماعة الإخوان.. على الحكومة أن تدرك أنها أثارت غضباً وطنياً غير مسبوق، مؤيدو النظام وهم أغلبية، تلفحوا بحزن صموت، الكتلة الوطنية التى دعمته منذ 30 يونية انتقل قطاع كبير منها من موقف التأييد، لدائرة الغضب، أعداء النظام بالداخل عبروا بالأزمة لنطاق تجاوز الجدل حول مصرية الجزر أو سعوديتها، وأصبحوا يرون فيها كعب «أخيلوس» الذى يسعون لأن ينفذ منه ملاك الموت لقلب النظام، متربصو الخارج يعتبرونها مؤشراً للوهن، وفرصة للضغط فى قضايا تتعلق بالتراب الوطنى، وذلك أمر يستحق التوقف طويلاً.. إحالة الأزمة للبرلمان ستضيف صفحة جديدة لملف سوء الإدارة، كيف نضع برلماناً وليداً فى اختبار كهذا؟!، لو وافق سيُتَهَم بمجاملة السلطة، ولو رفض يقع فى تناقض مع الحكومة، ويُحرِج الرئاسة، وكلا الموقفين سيستغله مخططو الفوضى الذين يسعون الآن لحشد العشوائيات.. اللجوء للاستفتاء قد يمتص شحنات الغضب، ويوفر المبررات للتراجع، لكنه يُحرِج السلطة، وقد لا تتفهم السعودية دوافعه.

الاتفاق لن يمر، والمعاندة أقرب للانتحار، لا بديل عن إعادة غلق الملف، ومعالجة تبعاته، والإعداد لتناول سياسى قانونى إعلامى أكثر رشادة.. عندما تصبح الأوضاع «ملائِمة»!!.

اللهم فاشهد، اللهم بلَّغت.