أقدم تجار «حارة اليهود»: اللى باع ملكه بمزاجه.. مايستهلش يرجع
داخل محله فى حارة اليهود يجلس مختبئاً من موجة برد قارسة، ينفخ فى كلتا يديه ليبعث فيهما دفئاً مفقوداً، وبين وقت وآخر يطل من باب محله على الحارة متأملاً أحوالها التى تبدلت من مركز للتبادل التجارى بين مصر والدول العربية، إلى مكان ملىء بالقمامة ومبانيه قديمة ومتهالكة ويضج من شدة الزحام.
الحاج عبدالمنعم حرشة، أقدم قاطنى «حارة اليهود»، لم يندهش من تغير أحوال الحارة، بقدر اندهاشه من تصريحات القيادى البارز بحزب «الحرية والعدالة» الدكتور عصام العريان، التى يطالب فيها بعودة اليهود إلى مصر واسترداد أملاكهم، متسائلاً: «أملاك إيه اللى يستردوها؟ دول باعوها كلها وهاجروا لتل أبيب بمزاجهم، إحنا مش تحت أمرهم.. دلوقت مصر حليت فى عينيهم؟
جاء الرجل الثمانينى إلى الحارة ليعمل صبياً فى محل يمتلكه يهودى يدعى «داود الناسى»، وكان يتقاضى مليمين نظير اجتهاده فى بيع الإكسسوارات، وقتها كان عمره 8 سنوات، وكانت اليومية تكفيه للعودة إلى منزله بمنطقة «السكاكينى»، ظل الحال على ما هو عليه، إلا أن لاحظ حرص «داود» على الاطلاع على مجلات أجنبية، هو والعديد من يهود المنطقة، عرف بعد ذلك أنها قادمة من تل أبيب، لإغراء اليهود بالهجرة إلى إسرائيل حيث الأجواء النظيفة والمكسب السريع، خاصة أن يهود الحارة كانوا من الفقراء، بينما الأغنياء، سكنوا مناطق الزمالك وجاردن سيتى.
«اليهود كانوا تجار ناصحين، وعبدالناصر ماضغطش عليهم عشان يسيبوا البلد، هما فكروا إزاى يهاجروا ومايخسروش أملاكهم فى مصر، فكانوا بيشتروا المحل ويوضبوه على الآخر عشان يجيب فلوس كويسة، يأخذوها ويهاجروا لإسرائيل»، وبمجرد أن هاجر «داود»، اشترى «حرشة» محلاً خاصاً به من تاجر قماش يدعى «محمود جانوب».
الحريق الذى اندلع بالحارة منذ بضعة أيام، يرى «حرشة» أن سببه عدم النظافة، التى قضت على معالم الحارة العريقة، الأمر الذى لم يكن موجوداً فى الماضى، وقت أن كان تعداد السكان فى مصر 25 مليوناً، وكانت بضائع الحارة تغزو الدول العربية، وتجلب عليهم مكسباً كبيراً «دلوقت منتجات الصين خلت الورش كلها تقفل».