«الوطن» فى منزل «مصطفى» شهيد السويس.. آخر موضوع تعبير كتبه «ماذا لو أنى ضابط شرطة»
موضوع تعبير مدرسى دوّنه قبل أسابيع قليلة من الحادث على كراسته تحت عنوان «فى حب الوطن»، تضمّن سؤالاً لم يجب عنه: «ما دليل حب الوطن؟»، حفظ ما أوردته وزارة التربية والتعليم للإجابة النموذجية على السؤال، لكنه لم يعرف أن الإجابة الصحيحة هى «الدم».
خرج مصطفى محمود عيد، الذى يبلغ من العمر 15 سنة، من منزله فى بور توفيق، لشراء طعام، وتصليح حذائه القديم فى مدينة السويس، ركب مع صديق له دراجة بخارية «موتوسيكل» إلى المدينة، ووصلا إلى موقع الاشتباكات بين الأمن والمحتجين، طلب من صديقه العودة من حيث جاءا، لكن رصاصة استقرت فى جانبه الأيمن لم تمهله الوقت للعودة إلى منزله.[Image_2]
تحول منزل مصطفى إلى مقر لتلقى العزاء صباح السبت الماضى، جلست والدته فى إحدى الغرف بعد أن أنهكها البكاء، خرجت منها الكلمات بصعوبة: «أطمأننت أنه يجلس فى الخارج بعيداً عن الاشتباكات الموجودة فى مدينة السويس، ذهب لتصليح حذائه ولم يرجع. حسبى الله ونعم الوكيل فيمن قتلوه».
حلم واحد كان يتمناه مصطفى قبل استشهاده وكثيراً ما طلب من والده أن يحققه: «بابا، أنا عايز أعمل عملية ليزك علشان أقلع النضارة»، كانت المرة الأخيرة التى يطلب مصطفى من الأب هذا الأمر صبيحة يوم استشهاده.
يقول الأب: «مصطفى كان طفلاً عمره لم يتعد الـ15 سنة، فى الصف الثانى الإعدادى، لم يكوّن حلمه للمستقبل، كان كل همه فى الأيام الأخيرة أن يستمتع بإجازة منتصف العام، فكانت هى إجازته الأخيرة».
صورته الكبيرة موضوعة بين دمى و«دباديب»، وأعلى سريره صورة للشخصية الأسطورية «الرجل العنكبوت spider man»، يحكى الأب: «قبل وفاته بأيام اشترى ملابس جديدة للإجازة، وكان سعيداً بها سعادة طفل فى سن الخامسة عشرة، وقبل خروجه من المنزل خلع طاقيته التى كان يعتاد ارتداءها. فرح بالملابس الجديدة، خرج بها إلى الشارع، ومنه إلى ثلاجة المشرحة وهى مصبوغة بالدم».
محمد محمود عيد، شقيق الشهيد مصطفى يقول: «إن تقرير الطب الشرعى أكد اختراق طلق نارى لجانبه الأيمن بميل. كان وقتها على الدراجة البخارية هو وصديقه فى طريقه لشراء طعام وتصليح الحذاء القديم، لما وصل إلى ميدان الخضر فى مدينة السويس وجد الاشتباكات بين الأمن والمتظاهرين امتدت إلى الميدان، وفتح عساكر الأمن المركزى النار على المتظاهرين والمارة بشكل عشوائى، قال لى صديقه إن مصطفى لما حدث ذلك طالبه بالعودة إلى بور توفيق سريعاً قبل أن يصاب أحدهما، فلما حاول سائق الدراجة العودة كان أحد العساكر أطلق رصاصة ناحيتهما رغم أنهما طفلان ورغم ابتعادهما عن بؤرة الأحداث فسقط أخى ميتاً بعدما دخلت الرصاصة فى جنبه».
قبل وفاته جلس فى مكانه المعتاد أمام المنزل كى يلتقط له أحد الأصدقاء صورة له فى ثيابه الجديدة، ونظارته الطبية التى سئم شكله بها، كانت آخر صورة له، احتفظت بها الأم على هاتف محمول لتراها كلما اشتاقت لرؤية فقيدها الصغير فيزداد بكاؤها.
حمّل شقيق مصطفى الداخلية والرئيس مسئولية وفاة مصطفى، قائلاً: «وعلى الرغم مما حدث لم نتلق إلى الآن أى عزاء فى مصطفى من أى جهة رسمية، وعلى كل حال لم يكن لنا ولا لمصطفى أى دخل بالسياسة، وكان كل ما يهمه الملابس الجديدة، والظهور بشكل أنيق، والكلام مع أصحابه عن طريق الإنترنت، والجلوس أمام المنزل مع أصدقائه، أمام عيون أمه».
ارتفعت فى المنزل أصوات القرآن، والنسوة الباكيات، والقريبات اللواتى يتذكرن مصطفى شهيد السويس، الطالب فى الصف الثانى الإعدادى، الذى حضرت مدرسّتاه إلى منزله لتقديم العزاء لوالدته. تقول المعلمتان: «مصطفى كان راجل، هادئ يستمع بإنصات لتعليمات المدرسين والمدرسات، ومشكلاته كانت قليلة لكنها كمشكلات غيره من الأطفال صغيرة بسيطة».
«قُتل مصطفى على أيدى الشرطة برصاص حى، رغم أنه لم يبسط يده للاعتداء على أى شىء أو أى شخص يتبع الشرطة، هذا إن كان يستطيع على صغره أن يتعدى على أحد». تقول أخت مصطفى، وهى تعرض كراسة التعبير الخاصة بمصطفى وقد كتب فى إحدى صفحاتها موضوعاً تحت عنوان «ماذا لو أنى ضابط شرطة؟»: ترك الإجابة مفتوحة كعادته.