أحمد منصور أحمد منصور فضائح البابا (3)
06:32 ص | الثلاثاء 19 فبراير 2013

فى السادس من أكتوبر من العام 2012 أصدرت محكمة الفاتيكان حكماً قضائياً بحبس كبير الخدم السابق للبابا بندكت السادس عشر باولو غابرييلى بالسجن لمدة ثلاث سنوات خفضتها مباشرة إلى عام ونصف فقط بتهمة سرقة وثائق سرية وتسريبها إلى وسائل الإعلام، وقال رئيس المحكمة التى لم يُسمح بحضورها سوى لثمانية من الصحفيين الإيطاليين فقط ولم يُسمح لأى منهم بالدخول لقاعة المحكمة بكاميرات أو أجهزة تسجيل وهذه هى المرة الأولى فى تاريخ محكمة الفاتيكان التى يسمح فيها لصحفيين بالحضور: «لقد انتهك غابرييلى الثقة المرتبطة بالمهنية والدور الذى كان يقوم به، فقد استحوذ على أشياء خرجت عن سريتها بسبب مركزه تحديداً»، اللافت فى المحاكمة أيضاً هو الاشتراط على الصحفيين الذين تم انتقاؤهم لحضور المحاكمة هو عدم نشر أى شىء عن الجلسات إلا بعد انتهاء التداولات، الأمر الثانى أن المحاكمة كانت عاجلة فهى لم تستغرق سوى أسبوع واحد، وكان الطلب بالتعجل فى المحاكمة وإصدار الحكم من البابا حتى لا يخرج المزيد من الأسرار عما يدور وراء جدران الفاتيكان وخلف أبوابها، وكأن البابا كان يريد لهذا الملف أن يُغلق سريعاً رغم أن غابرييلى قضى خمسة وأربعين يوماً فى زنزانة المحكمة التى تقع خلف كاتدرائية القديس بطرس التى يدخلها كل يوم آلاف السياح دون معرفة بما خلف الجدران الهائلة والرسوم التى تملأ الأسقف والحوائط لهذه الكاتدرائية التى يقع بها مقر أصغر دول العالم وأكثرها نفوذاً وغموضاً، ثم انتقل رهن الإقامة الجبرية فى بيته، وحينما حُكم عليه بالسجن نُقل إلى مركز شرطة الفاتيكان حتى يقضى فيه سجنه، لكن البابا سرعان ما زاره فى سجنه فى 22 سبتمبر من العام 2011، أى بعد شهر ونصف تقريباً من سجنه، واختلى به فى قاعة قريبة من زنزانته لمدة ربع ساعة، أعلن بعدها المتحدث باسم الفاتيكان الأب فيديريكو لومباردى أن البابا بندكت السادس عشر أصدر أمراً بالعفو عن خادمه السابق باولو غابرييلى. لقد كان غابرييلى موظفاً مثالياً وخادماً أميناً للبابا بندكت السادس عشر، فقد كان أول من يراه البابا حينما يستيقظ صباحاً وآخر من يراه قبل أن يخلد للنوم، وكان هو الذى يشرف على طعام البابا وثيابه وكان يرافق البابا مثل ظله فقد كان يظهر فى كل الصور مرافقاً للبابا حتى فى السيارة الزجاجية التى يركبها البابا فى الاحتفالات الدينية، لكن موقع غابرييلى جعله يطلع على أدق الأسرار والخفايا داخل الفاتيكان، ويبدو أن ضميره لم يسمح له أن يكون مجرد شاهد على الفساد فى كافة المجالات دون أن يفعل شيئاً فقرر أن يحصل على صور لأهم وأدق الوثائق التى تُظهر الصراعات والمشكلات والفساد داخل الفاتيكان وسرّبها إلى الصحفى الإيطالى جيانلويجى نوتزى الذى نشرها فى كتاب كان الأكثر مبيعاً فى إيطاليا طيلة العام الماضى هو «قداسته»، حيث فضحت هذه الوثائق التنافس الشديد بين كبار المسئولين والمؤامرات والدسائس داخل أصغر دولة فى العالم وأكثر الدول تكتماً وأسراراً، وقد تم توجيه الاتهام لغابرييلى بعد تحقيقات كثيرة فاعترف مباشرة بعدما تمت مداهمة بيته والحصول على عدد من الوثائق، فى نفس اليوم الذى تفجرت فيه فضيحة مالية فى الفاتيكان تتعلق بإقالة رئيس بنك الفاتيكان إيتورى غوتى تديتشى، هذا وقد أدرجت الولايات المتحدة الفاتيكان فى العام الماضى على قائمة أهم مراكز غسيل الأموال فى العالم. بعد القبض عليه اعترف غابرييلى بكل شىء وقال إنه سرب الوثائق حباً فى الكنيسة و«بوحى من الروح القدس»، وأضاف: «أقوى شعور لدىّ الآن هو القناعة بأننى عملت ذلك حباً لكنيسة يسوع المسيح ورئيسها على الأرض ولا أشعر أننى لص»، وأن هدفه كان فضح «الشر والفساد» داخل أروقة الفاتيكان. من بين التسريبات رسالة من البابا إلى سفيره فى واشنطن تتحدث عن فساد ومحسوبيات ومعاملات تفضيلية داخل إدارة الفاتيكان، وعمليات إبعاد وسوء إدارة بين كبار الأساقفة والكاردينالات بالفاتيكان. وقد أطلقت الصحف ووسائل الإعلام الإيطالية التى انشغلت أشهراً بالموضوع فضيحة «فاتيلكس» نسبة إلى وثائق «ويكيلكس»، هذه هى الفضائح التى قصمت ظهر البابا وجعلته يستقيل فى الأسبوع الماضى لكنه لم يقف عند حد الاستقالة، فقد لمح إلى أنه سوف يعتزل الناس ويتفرغ باقى حياته للصلاة.. رغم كل ما كشف إلا أنه يبدو أن كثيراً من الفضائح كما تقول الصحف الإيطالية ما زال فى الطريق. انتهت.

تعليقات الفيس بوك

عاجل