الشباب والأحزاب

عندما دعت جماعات شبابية إلى مظاهرة 25 يناير 2011، لم يكن أحد يتصور أن هذه المظاهرات سوف تضم مئات الألوف من المصريين، وأنها سوف تنجح فى الإطاحة برأس النظام وتتحول إلى ثورة شعبية غير مسبوقة فى تاريخ البشرية. هكذا أصبح هذا الجيل من شباب مصر فى قلب الأحداث، يواصل مسيرته الظافرة خلال عامى 2011 و2012 من أجل استمرار الثورة وتحقيقها لأهدافها، ونجح بالفعل عبر المليونيات المتعددة فى الضغط من أجل تصفية مؤسسات النظام القديم ومحاكمة رموزه بمن فيهم مبارك نفسه، وتحديد موعد مبكر لانتخابات رئاسة الجمهورية لإنهاء الحكم العسكرى، وما يزال هؤلاء الشباب بعد أن اتسعت دائرة المشاركين فى الأنشطة الثورية يواصلون سعيهم من أجل استعادة الثورة وتحقيقها لأهدافها، ورغم ذلك فإن مشاعر الإحباط تتزايد والشعور بفقدان الأمل يطغى على قطاعات من هؤلاء الشباب ومن المجتمع نتيجة المعاناة فى توفير سبل المعيشة وتردى الأوضاع الاقتصادية، مما أدى إلى اللجوء للعنف وتزايد حدة المواجهة مع أجهزة الأمن وسقوط شهداء جدد، ويستفيد من هذا التطور السلبى عناصر تنتمى إلى النظام القديم ومواطنون لا يجدون ضروريات الحياة فيعبرون عن أنفسهم فى هذه المواجهات العنيفة، ومما يلفت النظر بشدة أن الأحزاب السياسية لا تناقش هذه الظاهرة بالجدية الواجبة ولا تلتفت إلى ما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات خطيرة تنحرف بمسار الثورة وتسهم فى إجهاضها قبل أن تحقق أهدافها، وإذا كنا نؤمن فعلاً أن استمرار الثورة رهن بسلميتها، فإنه من واجبنا أن نتصدى لظاهرة العنف وأن ندعو إلى دراسة الأسباب التى أدت إليه والعناصر المشاركة فيه وكيف يمكن أن نغلب العمل السياسى والوسائل السلمية لضمان استمرار الثورة. يدخل أيضاً ضمن مسئوليات الأحزاب أن تسعى بجدية إلى استيعاب الشباب فى عضويتها، وتنفيذ برامج تثقيفية جادة لهذه العضوية الشابة، وهو ما لم يحدث حتى الآن فى الأحزاب الجديدة التى تأسست بعد ثورة 25 يناير والتى يشكل الشباب الأغلبية العظمى لعضويتها. إن تسلح الشباب بالوعى السياسى سوف يضيف إلى حماسهم ما يوجه حركتهم نحو الأهداف الكبرى ويضمن لنشاطهم الفاعلية، هذا بالإضافة إلى أن الأحزاب مسئولة عن إكساب هؤلاء الشباب خبرة العمل المنظم الجماعى فى إطار استراتيجية واضحة تحدد الأهداف الأساسية، وتضع لها أولويات تتناسب مع القدرة على تنفيذها وعلى أولويتها بالنسبة للشعب، فنحن مطالبون بإعطاء الأولوية للمهام التى تلبى احتياجات الشعب أولاً وليس ما نعتقد أنه أهم. ويأتى فى هذا الإطار ضرورة أن تتحرك الأحزاب بسرعة للتعامل مع الشباب النشط وأن تقنعهم بالعمل معها فى إطار تحالفات جبهوية للنضال معاً من أجل أهداف محددة أو أن تكسبها فى عضويتها، وبذلك نضمن أن تكون هذه الكتلة الشبابية الواسعة على صلة منتظمة بالحركة السياسية فى مصر. ونضمن ألا تتبدد طاقات الشباب فى تحركات غير مجدية أو فى مواجهات عنيفة، ويبرز فى هذا الصدد طرفان أساسيان يتحملان مسئولية كبرى فى الحيلولة دون حدوث تداعيات تؤدى إلى مزيد من التوتر والاحتقان أولهما أجهزة الأمن التى تتحمل مسئولية عدم اللجوء إلى العنف فى مواجهة المتظاهرين وعدم استخدام القوة المفرطة إذا حدثت بعض مظاهر العنف الفردية، وألا يتكرر مشهد حمادة صابر الذى سحلته أجهزة الأمن أمام قصر الاتحادية بلا أى مبرر، وفى تجاوز سافر للقانون فى تعاملها مع المتظاهرين، ويطرح هذا السلوك مرة أخرى أهمية الدعوة إلى إعادة هيكلة أجهزة الأمن فى إطار عقيدة جديدة أساسها تحقيق الأمن فى إطار احترام حقوق الإنسان. أما الطرف الثانى الذى يتحمل مسئولية كبرى فى احتواء ظاهرة تصاعد العنف واستيعاب حركة الشباب وتنظيمها بما يضمن عدم تبديد طاقات الشباب فهى جبهة الإنقاذ الوطنى التى لم تظهر حتى الآن قدرتها على التعامل الفعال مع الشباب وعلى بناء جسور للحوار معه والعمل المشترك، ولعل إنشاء المكتب التنفيذى لشباب الجبهة يكون خطوة أولى لها ما بعدها من قدرة للجبهة على التفاعل مع الشباب والتأثير فى حركتهم. هؤلاء الشباب هم أهم مكاسب ثورة 25 يناير، وهم رصيد مصر لسنوات طويلة قادمة يجب الحفاظ عليهم ومساعدتهم على مواصلة حماسهم من أجل التغيير الجذرى لأوضاعنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية تعبيراً عن انتصار الثورة فى النهاية.