عادل نعمان عادل نعمان الحج إلى كربلاء آخر محطات الثأر
10:09 م | الخميس 22 سبتمبر 2016

موروث الثأر بين الشيعة والسنّة قديم، يسبق الصراع الأموى الهاشمى مع أولاد العمومة بكثير، فهو صراع سياسى على النفوذ والحكم.

أولى محطات الصراع حين نفى هاشم بن عبد مناف ابن أخيه أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، بسلطانه وسطوته إلى الشام، حتى لا ينازعه الريادة والرفادة والسقاية وأمور الحجيج التى استأثر بها له ولأولاده من بعده، لما فيها من الخير الوفير.

محطات الصراع تظهر على السطح كل بضعة قرون، تجدد غليانها وفورانها، فلا تخمد جذوة الثأر، ولايهدأ لهيبها، ولاتنطفئ نارها، ولا يلملم المتحاربون ترابها. محطتان فى الصراع الأموى الهاشمى قبل الإسلام وبعده، أولاها ما قبل الإسلام بين هاشم بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وانتهت بنفى الثانى، وثانيتهما بعد الإسلام بين الحفيدين معاوية بن أبى سفيان الأموى، وعلى بن أبى طالب الهاشمى، وانتهت بمقتل الثانى ومعظم آل البيت النبوى إلا قليلاً منهم، وليس آخرهم الحسين بن على فى كربلاء، وانتصرت العصبة الأموية أول حكم عضوض فى الإسلام. القاتل والقتيل أولاد عمومة، هذا هو تاريخنا العربى الإسلامى.

ننتقل إلى محطتين قريبتين يتغافلهما التاريخ مجاملة ليس إلا!!. وقصتهما معاً: لم ينس الأمير سعود بن عبدالعزيز عام 1803 (الدولة السعودية الأولى) أن قاتل والده الأمير عبدالعزيز بخنجر مسموم وهو يهم بدخول المسجد كان كردياً من دراويش الشيعة، قُتل أبناؤه الثلاثة فى مجزرة كربلاء على يد الأمير عبدالعزيز ذاته فى غزوه لمدينة كربلاء فى غياب أهلها، حيث كانوا فى مدينة النجف يحتفلون بيوم مولد الإمام على بن أبى طالب. جعل الكردى نفسه خادماً، وتقدم لخدمة الأمير عبدالعزيز فى الدرعية، ونال ثقته، وهما على باب المسجد طعنه بخنجره المسموم من الخلف.

رواية مكررة يتناقلها التاريخ فى مقتل كل الأمراء والخلفاء، خنجر مسموم، وثأر تاريخى، وذبح من الخلف إما على باب المسجد أو عند السجود فى الصلاة. لم يكتف سعود بحرق درويش الشيعة الكردى فقط، بل غزا الأمير سعود بغداد ودمر مدينة الإمام على واستباحها. المحطتان كبيرتان فى الصراع، وما زالت كل الأبواب مفتوحة، يزداد روادها ومريدوها يوماً بعد يوم، وحقداً على حقد.

القطار يندفع الآن سريعاً إلى نهايته المحتومة، يجتاز محطات عدة دون توقف، يدهس فى طريقه رجاحة العقلاء، وحكمة الحكماء، ستنفلت قضبانه، ويخرج هذه المرة من مساره إلى قبلتين وليس إلى مذهبين، قبلة إلى كربلاء وقبلة إلى مكة.

محطة النهاية تقترب، القطار يشق طريقه عبر نيران التراشق والاقتتال، فى العراق الحرب العرقية والمذهبية، فى سوريا الحرب العلوية السنية، فى اليمن الحرب بين الزيدية والسنة، فى منى العام الماضى يتدافع الحجاج، يموت تحت عجلاته دهساً المئات، السعودية تتهم شيعة إيران بتدبيره، إيران تتهم السعودية بتوجيه الاتهام دون تحقيق، فأكبر موتى التدافع من الإيرانيين، وتتهمها بسوء إدارة الأماكن المقدسة وتطالب بتدويلها.

عامنا هذا منعت إيران الحجاج الإيرانيين من الوقوف على عرفات، ودعتهم إلى الوقوف فى كربلاء، مرقد الإمام الحسين، الملايين من الشيعة ستجدد ثأرها فى وقفة كربلاء بديلاً عن عرفات، فتوى أئمتهم ومرشدهم العام عن أفضلية الحج إلى كربلاء تأتى على أمزجة العامة، وعلى هوى من يؤجج للثأر والانتقام، وتتفق مع تاريخ الكره والتشفى، فاستجاب الشيعة لوعد مرشدهم وأئمتهم، فألف حجة دون كلفة مغنم ومربح.

«من أتى قبر الحسين عارفاً بحقّه فى غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجّة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات. ومن أتاه فى يوم عيد كتب الله له مائة حجّة ومائة عمرة. ومن أتاه يوم عرفة عارفاً بحقّه كتب الله له ألف حجّة وألف عمرة مبرورات متقبّلات، وألف غزوة مع نبى مرسل أو إمام عادل».

وهذا جعفر الصادق بن على بن الحسين يقول عن جدة «لو حدّثتكم بفضل زيارته وبفضل قبره لتركتم الحجّ رأساً وما حجّ منكم أحد، أما علمتم أنّ الله اتّخذ كربلاء حرماً آمناً مباركاً قبل أن يتّخذ مكّة حرماً».

العند يورث الكفر، والكفر تهمة متبادلة بين الفريقين دون وقفات من غير كربلاء أو عرفات، ودون حاجة إلى أحاديث صحيحة أو موضوعة، هذه محطة فى الصراع ليس لها من دون الله كاشفة، فراق وطلاق لا محلل له ولا متعة، وسيأتينا يوم تكون وقفة العيد وقفتين، وتكون فيه قبلة المسلمين قبلتين، كما كانت كعبة القرشيين فى مكة قبل الإسلام كعبات تزيد على الثلاثين. يوماً سيعود الإسلام على أمزجة العامة والخاصة يأخذون به صباحاً بالحلال ومساء بالحرام.

يوم مقبل يفترق المسلمون فى الحج، طريق إلى كربلاء وآخر إلى عرفات، أيهما أيسر من الآخر، وأيهما يوفر مالاً وصحبة وراحة وأمناً أكثر من الآخر.

من أى الفريقين يا ترى سيأتينا المهدى المنتظر ليقيم العدل بين الناس إذا كان الناس قد باتوا على الكفر فريقين متهمين، وبـ«الخوارج» باتوا متصفين، وكل منهما يبيت على باب صاحبه حاملاً سلاح القتل.

الشقاق يتصاعد والاتهامات تتبادل بين الطرفين ليزيدوا النار اشتعالاً، القطار يندفع إلى الهاوية، وكأن كربلاء تعود من جديد مذبحة وقبلة. تاريخنا مكرر وممل، نقرأه من مئات السنين كما نقرأه الآن، ونراه كما رآه أجدادنا وكما سيراه أحفادنا، كره وحقد وغل وقتل، وكلهم على حق وليسوا على باطل.

 

 

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل