«الوطن» فى رحلة قياس النيل.. بدء انحسار الفيضان

كتب: الوطن

«الوطن» فى رحلة قياس النيل.. بدء انحسار الفيضان

«الوطن» فى رحلة قياس النيل.. بدء انحسار الفيضان

«مُبشر.. يصعب قياس حجمه فى مثل هذا التوقيت من العام».. كان هذا عنواناً لبيان مختصر أطلقته وزارة الموارد المائية والرى بداية أغسطس الماضى، عقب إطلاق حكومة الخرطوم أنباء متوالية عن ارتفاع عمق المياه بالمقاييس والمحابس على طول مجرى النيل الأزرق لمستويات غير مسبوقة، وُصف فيها الفيضان بأنه الأعلى منذ مائة عام، وذلك بعد أن خلف آلاف القتلى والمصابين والقرى المدمرة فى ولايات النيل الأزرق وكسلا وسنار، المتاخمة للهضبة الإثيوبية. {left_qoute_1}

فيضان نهر النيل، الذى تبدأ رحلته من تساقط قطرات الأمطار على مرتفعات الهضبة الإثيوبية، حيث منابع النيل الأزرق فى بحيرة «تانا»، لتنحدر هادرة بالاتجاه الشمالى الغربى تجاه الأراضى السودانية، ليقطع مسافة 1400 كم عند مدينة الخرطوم، حيث يلتقى بالنيل الأبيض فى منطقة المقرن، حاملاً مياهه نحو الأراضى المصرية لمسافة تقدر بـ1200 كم، ليصبح مجموع مسافة الرحلة 2600 كم، تقضيها المياه جرياً فى حوض النيل بوقت يقدر بـ18 يوماً خلال أشهر الفيضان الذى يبدأ فى أغسطس من كل عام ويستمر حتى ديسمبر.

أطلق السودانيون على فرع النيل المقبل من الهضبة الإثيوبية «الأزرق»، لاختلاط مياهه بطمى الهضبة الإثيوبية وتمييزاً له عن النيل الأبيض، المقبل من بحيرة فيكتوريا بأوغندا، وتشكل مياهه بالإضافة إلى تلك المقبلة من «عطبرة» و«أستيت» بالهضبة الإثيوبية، نحو 85% من مياه بحيرة السد العالى.

فى قارب صغير يقوده «رفاس نهرى» يقوم أحد المهندسين المصريين ومعه 7 عمال وبحارة سودانيين بمهام قياس الفيضان، جنوب العاصمة الخرطوم، فى محطة قياس الخرطوم.. وقد عاشت «الوطن» خلال أربع ساعات، لحظات قياس وتسجيل فيضان النيل الأزرق، والتى تبدأ مع الساعات الأولى لإشراقة الشمس، حيث يخلو النيل من تيارات حركة مراكب الصيد التى تحد من دقة القياس والرصد، وتنفيذاً لتعليمات الأمن والسلامة، ارتدى أطقم وأفراد القارب سترات النجاة لمواجهة مخاطر الفيضان، لينطلق القارب لأداء مهامه.

{long_qoute_1}

فى 8 نقاط عرضية بمجرى النيل، قام المهندس المصرى وطاقم العمال بتسجيل عمق المياه بعد تسجيل عرض المجرى من الضفة اليمنى إلى الأخرى باستخدام حبل معدنى، كما سجّل سرعة جريان المياه بالنقاط الثمانى باستخدام جهاز يقوم بالدوران وإصدار صوت عند اكتمال كل دورة، يتم حسابها فى الدقيقة وتعبر عن سرعة التيار المائى.

ورصدت «الوطن» خلال الرحلة بدء انحسار الفيضان بعد إعلان قيام السودان بالتنسيق مع الرى المصرى بدء تخزين سدود الروصيرص وسنار وخشم القربة للمياه والذى يبدأ فى سبتمبر من كل عام وفقاً لاتفاقية 1959 وما تقرره الهيئة العليا المشتركة لمياه النيل، وبلغ إجمالى التصرفات المائية للنيل الأزرق خلال ذروة الفيضان الشهر الماضى 800 مليون متر مكعب يومياً، بعمق بلغ 17 متراً، لتنخفض وقت القيام بالجولة إلى 350 مليون متر مكعب من المياه خلال الجولة بعمق بلغ 9 أمتار.

يقول المهندس سامى الشابورى، مدير عام الرى المصرى بالسودان، إن مهام بعثة الرى المصرية فى غاية الأهمية، حيث تقوم بقياس كل قطرة مياه تجرى فى النيل الأزرق من خلال خمس محطات رئيسية خلال العام، ونحو 38 محطة فرعية بشكل يومى، لافتاً إلى أن بعض تلك المقاييس يتم رصدها كل 6 ساعات كـ«دنقلا وسنار والروصيرص»، مع إعداد تقرير شهرى شامل عن حالة نهر النيل ليتم إرسالها لقطاع مياه النيل بوزارة الرى الذى يقوم بدوره بتحليل كافة البيانات وإعداد تقارير عن تصرفات النيل من خلال مهندسين وخبراء متخصصين، بالإضافة إلى تقارير سنوية ترصد حالة فيضان النهر لقياس الإيرادات وفواقد المياه خلال فترة سريانه فى طريقه من السودان إلى جنوب مصر عند السد العالى وبحيرة ناصر، مشيراً إلى أن بعثة الرى تقوم أيضاً بالمرور على المقاييس المختلفة، لعمل الصيانة المطلوبة لرخامات القياس المدرجة، وإجراء الأعمال المساحية اللازمة لضبط المقاييس قبل ورود الفيضان. {left_qoute_2}

وأوضح أن رحلة الفيضان من بحيرة «تانا» الإثيوبية حتى الحدود السودانية الإثيوبية تستغرق 3 أيام، بسرعة تصل إلى 330 كيلومتراً، بسبب قوة انحدار مياه الفيضان، فى حين تستغرق رحلة الفيضان من حدود السودان وإثيوبيا حتى بحيرة ناصر فى مصر 18 يوماً، وهى المدة التى يقطعها الفيضان الوارد من الهضبة الإثيوبية حتى بحيرة السد العالى، بينما تصل سرعة الفيضان خلال المسافات الواقعة بين مدينة الخرطوم حتى بحيرة ناصر أكثر من 168 كم يومياً.

وأشار إلى وجود 5 محطات رئيسية على النيل الأزرق والرئيسى بالسودان، كل محطة بها مهندس مصرى وما يقرب من 25 عاملاً من الإخوة السودانيين يعاونون أشقاءهم فى القيام بالمهام المكلفين بها، ليبلغ عدد أعضاء بعثة الرى المصرى 350 من بينهم 37 مهندساً مصرياً والباقى من العمال السودانيين يمكن أن يطلق عليهم جنود مجهولون يؤدون عملهم فى صمت لتأمين وصول كل قطرة مياه إلى مصر بشكل دقيق.

وأضاف أن عملية القياس تتم بقياس عرض مجرى النهر فى العمق فى سرعة جريان المياه من خلال أجهزة متخصصة ذات تقنية عالية تحدد أعماق النهر بدقة وتحسب كميات الفيضان المقبل باتجاه مصر والسودان قبل وصوله إلى بحيرة ناصر والسد العالى.

وحول حجم الفيضان هذا العام، أكد «الشابورى» أن محطات القياس لا يمكنها تحديد حجم مياه الفيضان فى مثل هذا الوقت من العام والذى يرتبط بهطول الأمطار المتغيرة بشكل يومى، ولكن يتم عند السد العالى بحساب المقاييس ونهاية السنة المائية فى آخر شهر يوليو، لافتاً إلى أنه خلال المائة عام الماضية بلغ متوسط فيضان النيل 84 مليار متر مكعب.

بابتسامة صافية عبر محمد الأزرق، السودانى، عن سعادته فى العمل مع المهندسين المصريين، واصفاً إياهم بـ«الكفاءة»، حيث يقوم الجميع بأداء واجبه بانضباط شديد ودقة متناهية رغم المخاطر العديدة التى يتعرضون لها وقت الفيضان الشديد وتؤدى فى بعض الوقت إلى انجراف المركب أو ارتطامه بالكبارى وتعرضهم للغرق وانقلاب المركب وشحوط فى طمى الجزر النيلية التى تخفيها المياه.

ويضيف أن أخطر ما يؤرق السودان ومصر أن ينخفض منسوب النيل الأزرق عند 7 أمتار، وهو منسوب محطات تنقية المياه فى الخرطوم، حيث يبلغ المنسوب الآمن عند 8 أمتار، لافتاً إلى أنه فى أحد الأيام حدث اهتمام غير معتاد من بعثة الرى بقياس محطة الخرطوم، حيث طلب مسئولو البعثة بشكل عاجل مقاييس المحطة، واتصل وقتها الرئيس الأسبق مبارك بنفسه لمعرفتها، على حد قوله.

وتابع: «لا تقلق على النيل من سد النهضة فهو يجرى بأمر الله ولن يستطيع أى أحد أن يوقفه فهو نهر من الجنة، حمل الخير لبلدينا السودان ومصر، وعاش عليه شعبا البلدين منذ قديم الأزل»، مشيراً إلى أن تسميته بالأزرق تعود إلى لونه الذى يتسبب طمى الحبشة فى تغيير لون مياهه.

وطالب «الأزرق» بأن تعيد وزارة الموارد المائية والرى النظر فى قرارها الخاص بأن تكون مدة ندب المهندس المصرى للسودان عاماً واحداً فقط، لتصبح عامين، أو أكثر، لافتاً إلى أن 12 شهراً للعمل فى قياس النيل مدة قصيرة للغاية لاكتساب الخبرات اللازمة والتآلف مع الطاقم السودانى بكل محطة قياس.

وفى طائرة الإقلاع من القاهرة نحو الخرطوم التقت «الوطن» الدكتور محمد عبدالعاطى، وزير الرى، والذى شهد توقيع عقد استشارى دراسات سد النهضة الإثيوبى، وأكد أن فيضان العام الحالى فوق المتوسط، لكن يصعب تحديد حجمه والذى يقاس نهاية السنة المائية فى شهر أغسطس من كل عام، لافتاً إلى أن لجنة إيراد نهر النيل وإدارة المياه تجتمع بشكل أسبوعى وعلى مدار موسم فيضان النيل الجديد لمتابعة إدارة وتوزيع المياه، وكذلك يتم الاستفادة من مراكز التنبؤ بالفيضان بالوزارة فى أعمال التنبؤ بالأمطار والسيول على أن تتم مشاركة تلك التنبؤات مع كافة الجهات المعنية بالوزارة، وذلك لسرعة التعامل مع أى مخاطر يمكن أن تنجم عنها.

وأوضح أن لجنة إيراد النهر وإدارة المياه تقوم بوضع خطط توزيع المياه لتوفير الاحتياجات المائية للبلاد من خلال وضع الميزان المائى للبلاد وحجم المنصرف يومياً من بحيرة ناصر للوفاء باحتياجات البلاد وفقاً لميزان مائى دقيق، وكذلك التخزين مع التقييم المستمر للوارد من المياه بأعالى النيل على الهضبتين الإثيوبية والاستوائية لتقييم حجم فيضان النيل، ووضع قواعد تشغيل السد العالى، مع الأخذ فى الاعتبار إمكانية حدوث طفرة فى الوارد من المياه بأعالى النيل خلال شهرى أكتوبر ونوفمبر من كل عام، فى إشارة منه إلى تحليل صور الأقمار الصناعية للسحب الممطرة فوق الهضبة الإثيوبية.

وأضاف أن اللجنة تضم رؤساء الهيئات والقطاعات المعنية بالوزارة، وتقوم بمراجعة أعمال الرصد والتسجيل التى تقوم بها مراكز التنبؤ بالفيضان التابعة للوزارة، ومتابعة موسم فيضان النيل سنوياً، بمراجعة تقارير الأرصاد الجوية، وصور الأقمار الصناعية التى يقوم بتحليلها على مدار الـ24 ساعة مركز التنبؤ، وكذلك المركز التابع لقطاع مياه النيل المسئول عن تلقى تقارير يومية وأسبوعية من بعثات الرى المصرى بشمال وجنوب السودان وأوغندا، مؤكداً أن مصر تراقب تطورات الفيضان من الهضبة الإثيوبية عند مقياس «الديم» الذى يمثل أقدم محطة لقياس منسوب النيل الأزرق على الحدود السودانية - الإثيوبية، علاوة على محطات الرصد وقياس المناسيب التابعة للرى المصرى بالسودان وبالتنسيق مع الرى السودانى باستخدام أحدث الطرق العلمية.

من جانبه، أشار المهندس مجدى السيد، رئيس بعثة الرى المصرى، إلى أن أجهزة الرى المصرى بالسودان تستعد للفيضان بجميع إدارات وأجهزة الرى المصرى بالسودان اعتباراً من شهر أبريل من كل عام نظراً لأن بشائر الفيضان فى السودان تبدأ فى الظهور أوائل يونيو متمثلة فى ارتفاع المناسيب فى محطات النيل الأبيض والنيل الأزرق ونهر عطبرة ونهر السوباط مع تزايد كميات المياه الواردة من أعالى النيل نتيجة كثافة الأمطار على الهضبتين الإثيوبية والاستوائية.

يضيف أنه يتم خلال تلك الفترة القيام بأعمال الصيانة الشاملة للمعدات البحرية المستخدمة فى قياس المناسيب والتصرفات بالورش الخاصة بها وتدعيم محطات القياس بالأجهزة التقليدية والحديثة مثل الأجهزة المساحية وأجهزة «gps» وأجهزة «adcp» لقياس التصرف المائى باستخدام صور الأقمار الصناعية وإجراء صيانة كاملة ومعايرة للأجهزة المستخدمة فى محطات القياس، علاوة على الانتهاء من آخر أعمال إعادة التأهيل وتحديث المحطات الخارجية على نهر النيل وفروعه الخاصة بأعمال قياس المناسيب والتصرفات وهى محطات دنقلا، وعطبرة، والخرطوم، الروصيرص، وسنار.

ووفقاً لتقارير رصد الفيضان بوزارة الرى، جرى تحديد أعلى إيراد طبيعى لنهر النيل عام 1879 وبلغ نحو 151 مليار متر مكعب، وكان له تأثير كبير فى دمار ما حول النهر، بينما كان أقل إيراد للنهر العام الماضى وبلغ 30 ملياراً فقط، بينما يصل متوسط إيراد النهر الطبيعى السنوى عند أسوان لنحو 84 مليار متر مكعب، وتعمل الهيئة الفنية لمياه النيل التى تضم خبراء مصر والسودان، على جمع البيانات الإحصائية عن الأمطار فى السودان، وربطها بالمناسيب، بهدف التنبؤ بإيراد نهر النيل، وجمع عينات دورية للمياه والتربة فى قاع النهر وإرسالها لمعامل القاهرة والرى السودانى لتحليلها كيميائياً، والمساهمة فى الإعداد والتجهيز والإشراف على مشروعات التعاون الفنى فى مجال الموارد المائية مع جنوب السودان مثل أعمال تطهير المجرى الملاحى لبحر الغزال والمشروعات الملحقة به وتنفيذ توصيات اللجنة الفنية العليا للمشروع.

 

 

يواصلون العمل على قياس كميات المياه الواردة فى النيل

 

أحد المهندسين يعمل على تدوين قياسات النيل


مواضيع متعلقة