الدقهلية: الحرب على الدروس الخصوصية «ولّعت» أسعارها

كتب: صالح رمضان

الدقهلية: الحرب على الدروس الخصوصية «ولّعت» أسعارها

الدقهلية: الحرب على الدروس الخصوصية «ولّعت» أسعارها

واقع مرير يعيشه العديد من أولياء أمور طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية العامة بمحافظة الدقهلية، نتيجة «الآثار العكسية» الناجمة عن «الحرب» التى تشنها الأجهزة الحكومية على مراكز الدروس الخصوصية «السناتر»، حيث استغلت بعض المراكز، التى نجت من حملات الإغلاق، «تشميع» منافستها لزيادة أسعارها، حتى بلغت قيمة الحصة الواحدة 250 جنيهاً فى بعض المناطق.. كما أن الحملات الحكومية، التى كانت تستهدف إغلاق تلك المراكز، توقفت مع بداية العام الدراسى، بعدما تسببت فى ارتفاع أسعار الدروس الخصوصية إلى أرقام فلكية.

{long_qoute_1}

وكما هو الحال فى معظم محافظات الجمهورية، يقوم أولياء أمور الطلاب فى محافظة الدقهلية بإلحاق أبنائهم بمراكز الدروس الخصوصية فى مختلف المراحل التعليمية، وفى جميع المواد، خاصة بالنسبة لطلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية، ولا يكاد يخلو شارع من شوارع المحافظة من حركة الطلاب، ذهاباً وإياباً من «السناتر»، وحتى وقت متأخر من الليل، وكأن المدارس تحولت إلى «مزارات» أو «أندية»، يذهب إليها الطلاب ليقضوا بعض الوقت مع زملائهم وأصدقائهم، قبل أن ينطلقوا بعد نهاية اليوم الدراسى إلى مراكز الدروس الخصوصية، التى يعتمد كثير من الطلاب عليها فى تلقى العلم.

وقبل بداية العام الدراسى، شنت غالبية الوحدات المحلية بالمحافظة عدة حملات، تم خلالها الإعلان عن «تشميع» عدد من مراكز الدروس الخصوصية، ولكن سرعان ما اختفت هذه الحملات مع بدء الدراسة، والتى جاءت لمصلحة مدرسى «السناتر»، الذين رفعوا أسعار حصصهم إلى مبالغ تصل إلى الضعف، مقابل احتمالات تعرضهم لمخاطر أو مطاردات من قبل تلك الحملات، وكان شغلهم الشاغل هو حصد أكبر مبلغ من الطلاب، وفى أقل وقت ممكن.

ففى شارع كلية الآداب بالمنصورة، تنتشر «سناتر» مدرسى مواد الألمانى والرياضيات والإنجليزى، ويُعد الأستاذ «ح. ب» مدرس الألمانى بمنطقة «أحمد ماهر»، من أشهر وأغلى المدرسين للمادة، حيث يحصل على 100 جنيه من كل طالب فى مجموعة يصل عددها إلى 100 طالب، وقام بتعيين ثلاثة مساعدين له من المدرسين حديثى التخرج، لكل منهم مهمة خاصة، فأحدهم مسئول عن الغياب ومتابعة الالتزام داخل المجموعة، والثانى مسئول عن متابعة الواجب وتصحيحه، والثالث مسئول عن تحديد المواعيد وتقاضى مقابل المجموعة أو الحصة.

كما تنتشر «سناتر» الدروس فى شوارع «الجلاء» و«مجمع المحاكم» وفى حى الجامعة، حيث يقوم المدرسون بالإعلان عن أرقام تليفوناتهم من خلال صفحات التواصل الاجتماعى وفى المكتبات، ولا يقتصر الأمر على المنصورة فقط، بل تتسع السناتر لتشمل مختلف المدن الكبرى فى المحافظة، مثل «طلخا» و«بلقاس» و«دكرنس»، ويعمل معظمها فى أماكن مجهولة لا يتم الإعلان عنها، كما كان يحدث فى السنوات السابقة، خوفاً من حملات الإغلاق أو «التشميع».

وقالت «رحاب حسنين على»، ربة منزل: «ابنى فى الصف الأول الثانوى، وفوجئت بمدرس الرياضيات يطلب 100 جنيه فى الحصة الواحدة فى المنزل، وهذا يفوق قدرات أى أسرة، وعندما سألت المدرس عن مجموعة لأن المبلغ كبير علينا، قال لى: مفيش مجموعات دلوقتى، إحنا بنعتمد على الدروس الخصوصية فى المنازل منعاً للمشاكل، لأن الوزير بيحاربنا فى رزقنا فى السناتر»، على حد تعبيرها، وأضافت: «حرصاً على مستقبل ابنى، وافقت، لكن مش عارفة هاعمل إيه فى باقى الدروس، وكل مدرس بقى كل همه يحقق أكبر مكسب، ومش مهم إحنا نموت من الجوع».

وفى أحد المراكز بشارع الجلاء، يجتمع 3 مدرسين فى تخصصات مختلفة، لضمان تجميع أكبر عدد من الطلاب بالمرحلة الثانوية، ويمكن مشاهدة عشرات الطلاب أثناء خروجهم ودخولهم من السنتر يومياً، وأكد «أحمد عبدالواحد»، صاحب محل مقابل للمركز: «هذا السنتر يدخله أكثر من 1000 طالب يومياً من مختلف صفوف المرحلة الثانوية، ولا يوجد رقابة عليه، والجميع يعلم بوجود هذا السنتر، لكن لا أحد يعترض على وجوده، بالعكس لو حد سأل عنه من لجان الإدارة يرفض أى حد يبلغ عنه حرصاً على مستقبل الطلاب».

وقال «أحمد عوض الله»، ولى أمر أحد الطلاب، إن «المدرسين استغلوا حملة وزارة التربية والتعليم وضاعفوا مقابل الدروس الخصوصية، واقتصر عدد كبير منهم على إعطاء الدروس فى المنازل بأسعار خرافية، بينما تمكن بعضهم من (تظبيط) أموره مع إدارات التربية والتعليم، واستمرت السناتر فى عملها كما هى، ولكن بأسعار أغلى بصورة لا يتحملها أى بيت، لأنه أصبح يحصل على بدل مخاطر الغلق، ويحصل كثير من المدرسين على أجر الحصة مقدماً»، وأضاف: «لدى ولدان بالصفين الأول والثالث الثانوى، وأدفع للأول 1200 جنيه شهرياً دروساً خصوصية، بينما الآخر يحصل على دروس تتعدى 2500 جنيه شهرياً، ودخلى الشهرى لا يتعدى 3000 جنيه»، لافتاً إلى أن عدداً من مدرسى المرحلة الإعدادية يقومون بالتدريس للصفين الأول والثانى الثانوى، لتحقيق «مكاسب مضاعفة»، بحسب وصفه.

أما «أسماء حسين عبدالواحد»، ربة منزل، فقالت: «بنعمل جمعية كل سنة، ونخصص فلوسها للدروس الخصوصية أيام الدراسة، وحرمنا نفسنا من أى رفاهيات، وكل حياتنا أصبحت مقتصرة على البحث عن مدرسين بأسعار مناسبة».

ويبدو الوضع مختلفاً بعض الشىء فى قرى الدقهلية، حيث يقوم كل مدرس بفتح شقة منفصلة لإعطاء الدروس الخصوصية بها طوال النهار، وبأسعار أقل من المدينة، ويتوافد مئات الطلاب على الشقة للحصول على الدرس، وغالباً يكون مدرس الفصل هو الذى يعطى دروساً خصوصية لطلابه بالمدرسة، تحت سمع وبصر جميع أهالى القرية ومديرى المدارس.

وقال «أحمد ضيف»، مدرس: «كل المدرسين بيدوا دروس لكن كل مكان وله أسعاره، وأصحاب مافيا الدروس الخصوصية دائماً يتمركزون فى المدن، لكن إحنا بندى الدروس بسبب عدم التزام الطلاب فى المدارس، ويكون الدرس بأسعار منخفضة، لمراعاة ظروف الأسر فى القرى».

وكشف «محمد. م»، مدرس رياضيات، عن «مفاجأة» بقوله إن «قرار وزير التربية والتعليم بمحاربة سناتر الدروس الخصوصية، فتح الباب أمام الوحدات المحلية لابتزاز المدرسين، حيث فوجئنا بوجود موظفين بالأحياء يحضرون للسنتر، ويطلبون تبرعات كبيرة تصل إلى 30 و40 ألف جنيه، مقابل عدم تحرير محاضر للمدرس، أو إغلاق السنتر، وللأسف البعض يستجيب لهذا الابتزاز ويدفع المبالغ المطلوبة»، وطالب الوزارة بـ«تقنين وضع» مراكز الدروس الخصوصية ومنح تراخيص لها، أسوة بالأطباء الذين يفتحون عيادات خاصة، وأضاف أنه «بذلك يستفيد المدرس بتحسين دخله، وتستفيد الدولة من الضرائب والرسوم، ويستفيد الطالب»، وشدد على ضرورة أن تكون هناك «رقابة صارمة» من قبل وزارة التربية والتعليم على مراكز الدروس الخصوصية، معتبراً أن تقنين «السناتر» سيساعد فى حل أزمات كثير من الأسر وأولياء أمور الطلاب، خاصة فى مرحلة الثانوية العامة.


مواضيع متعلقة