«الوطن» تشارك فى مداهمة مركز لعلاج الإدمان بالقاهرة الجديدة يديره مدمنون سابقون
كانت عقارب الساعة تشير إلى الواحدة ظهر أمس الأول، حينما وصلت 3 سيارات تحمل شعارى وزارة الصحة والداخلية إلى فيلا أنيقة فى التجمع الأول بالقاهرة الجديدة، تتألف من 3 أدوار، يضم دورها الأخير شقة عادية، يميزها عن غيرها من شقق الفيلا قضبان حديديه تحيط بجميع منافذها، ونظرات زائغة من أشباح أنهكها المرض تنظر فى حيرة ممزوجة بالخوف إلى قوات الشرطة وهى تصعد درجات سلم الفيلا فى سرعة مباغتة، وفى الشقة.. كانت المفاجأة المروعة.
لم تكن تلك الشقة سوى وكر لتعاطى المخدرات تحت ستار «مركز علاج إدمان» يديره عدد من المدمنين المتعافين الذين يستقبلون المرضى عن طريق ما يسمى «الشحن»، وهو يعنى، حسب مدمن التقته «الوطن» بالمركز، أن «تشحن» عصابات مدربة تشارك فى ترويج المخدرات المدمنين إلى أماكن يقوم على إدارتها هؤلاء المدمنون السابقون، يعطون المرضى عقاقير مخدرة ومؤثرة على حالتهم النفسية دون إشراف طبى يُذكر، ودون الحصول على ترخيص من وزارة الصحة، فضلاً عن تعرض المرضى للضرب لإخضاعهم وإرغامهم على تلقى العلاج قهراً.[Quote_1]
كانت البداية، كما يروى لـ«الوطن» الدكتور صابر غنيم، وكيل أول وزارة الصحة للمؤسسات الطبية غير الحكومية، باتصال تلقّاه على تليفونه المباشر أبلغه خلاله نزيل سابق بالمركز أن مرضى الإدمان يتعرضون لمعاملة سيئة دفعت أحدهم ويدعى «هـ. ن» إلى القفز من الطابق الثالث للهروب من المركز، مما أسفر عن كسر بساقه، إلا أن إدارة المركز لاحقت المريض واحتجزته مرة أخرى دون علاجه، مما أدى إلى تأخر حالته.
وعلى الفور قام الدكتور «غنيم» بتشكيل فريق من إدارة العلاج الحرّ فى الوزارة، وبحلول ظهيرة أمس الأول داهمت القوة المشتركة من «الصحة» و«الداخلية» مقر المركز، ورافقتها «الوطن».
ولم تكن هناك مقاومة تذكر من جانب المسئولين بالمركز، نظراً للجوء الفرقة المداهمة إلى حيلة ماكرة، حيث دق أفراد الحملة جرس الباب بمصاحبة الدكتور ممدوح الهادى، مدير إدارة العلاج الحرّ، بدعوى أنه ولى أمر الشخص الذى دق الجرس، وأنه يريد علاج ابنه المريض. وفور اطمئنان مسئولى المركز إلى عدم وجود ما يثير قلقهم، خاصة بعد طول نظرهم من «العين السحرية» للتعرف على القادمين، فتحوا لهم.[Image_2]
وعندما فتحوا الباب باغتتهم القوة، وفى الداخل رصدت «الوطن» تكدس المرضى فى الشقة، وانتشار رائحة البول والفضلات فى غرف النوم، حيث كان يقيم بالغرفة الواحدة 7 أشخاص كان بعضهم نائمين، بينما كان أغلبهم يشاهد التليفزيون ويدخن السجائر بشراهة فى صالة الشقة، فيما تكدست الأدوية وسجلات المرضى على منضدة يجلس خلفها رجل أربعينى يرتدى زياً رياضى هبّ واقفاً عندما داهمت القوة الأمنية الشقة، وأخذ يسأل الضباط عن هويتهم وما الذى أتى بهم إلى المركز، فأقنعه الضباط بأنه «إجراء روتينى» للتأكد من مطابقة سجلات المركز للتراخيص والشروط المطلوبة.[Quote_2]
وبدأ الضباط باستجواب المرضى، بينما راح «غنيم» يفتش الغرف بحثاً عن المريض المحتجز قهراً، والذى قفز من الدور الثالث، حتى وجد شاباً فى منتصف العشرينات تبدو على وجهه علامات الإرهاق الشديد، عرّفه «غنيم» بنفسه قائلاً له: «لا تخف، نحن هنا من أجلك»، فاعتدل فى جلسته متفوهاً بصرخات ألم مكتومة، وقال: «حاولت الهرب من المركز منذ ما يقرب من 12 يوماً ولم أستطع الخروج من الباب فقفزت من شرفة الدور الثالث لعدم رغبتى فى الاستمرار بهذا المكان، تحطمت ساقاى كما ترون وتورّمتا، ولم يرحمنى أحد أو يُحضر لى طبيباً، أحتاج إلى تجبير ساقىّ لأنى لا أستطيع السير، وحاولت إقناعهم بإدخالى المستشفى أو عرضى على الطبيب دون جدوى، كل ما فعلوه هو إعطائى زجاجة و«كوز» لأقضى بهما حاجتى، أتمنى الخروج من هذا الجحيم».
وقال مريض آخر لـ«الوطن» وهو يحاول الوقوف على قدميه بعد إيقاظه: إن الذى يخطئ هنا أو يرفض تناول العلاج يقومون بـ«طرشمته»، وهو عقاب يعنى الضرب المبرح على الوجه وأجزاء حساسة من الجسم، ولكن من يطيع التعليمات يعاملونه باحترام.[Image_3]
وأجمع المرضى على أنهم جاءوا للعلاج من الهيروين وأقراص «الفراولة»، وهو الاسم الدارج فى أوساط المدمنين لمخدر «الترامادول» الصينى المرسوم على عبوّته من الخارج حبّات الفراولة والكريز.
ومن جانبه، قال المريض «س. م»: «جئت من الشرقية إلى هنا منذ 10 أيام، ولم أقترف أى جرم ولم أضايق أحداً، ولقد جئت لإدمانى المخدرات، وأرجو ألا تذكروا اسمى أو تنشروا صورتى، فأنا والد لطفلين، شاهدت الكثيرين يتم ضربهم لأخطاء ارتكبوها، أما أنا فالناس تعاملنى بشكل محترم للغاية ولا يتعرض لى أحد بالضرب وأتلقى علاجى فى مواعيده».
ومن جهته، قال «ع. ص»، المشرف على المركز، إنه حاول ترخيصه أكثر من مرة لكن وزارة الصحة رفضت، مشيراً إلى أنه يعامل المرضى بشكل إنسانى ولا يسىء لأحد منهم، ومؤكداً وجود طبيب يدعى «م. ع» يناظر المرضى من حين لآخر، غير أنه اعترف بأن هذا الطبيب «أخصائى جراحة عامة».
وأوضح «غنيم» أن المركز المضبوط كان يعمل بشكل سرى لكونه غير مرخص، مما دفع القائمين عليه إلى إخفاء أى أدلة تشير إلى قيامهم بعلاج المدمنين، لافتاً إلى عدم وجود إشراف طبى على المركز، وأن بعض الأشخاص غير المؤهلين يتولون إدارته وصرف الأدوية المؤثرة على الحالة النفسية للمرضى، مما يعد مخالفة جسيمة لقانون المنشآت الطبية، فضلاً عن مخالفته لكافة أخلاقيات مهنة الطب، فضلاً عن احتجاز بعض الأشخاص دون إرادتهم، ومعاملتهم بشكل غير إنسانى، خاصة المريض الذى أصيب بكسر فى قدمه وتم احتجازه دون علاج، مما أدى إلى تدهور حالته الصحية بشدة.[Quote_3]
ولفت «غنيم» إلى أن المركز يُعتبر وكراً لتعاطى المخدرات، ولا يمكن وصفه بأى صورة بأنه مركز للعلاج، فضلاً عن الانتهاكات غير الإنسانية التى يعانيها المرضى، من ضرب وتعذيب تحت مسمى «الطرشمة».
أما «الهادى» فقال إن مراكز علاج الإدمان غير المرخصة تقف وراءها عصابات ومافيا لـ«شحن» وتوريد المدمنين، مشيراً إلى أن المركز المداهَم غير مرخص ولا يوجد به طبيب، فضلاً عن حيازة القائمين عليه لأدوية مجهولة المصدر وغير مرخص باستخدامها، مما استوجب إصدار قرار بغلقه وتشميعه وإرسال عينة من الأدوية إلى قطاع الصيدلة لفحصها، وإحالة المسئول عن المركز إلى النيابة العامة، فضلاً عن تتبع الطبيب الذى يدّعى المشرف على المركز أنه يناظر المرضى لمحاسبته أمام لجنة آداب المهنة بنقابة الأطباء، وقد تصل عقوبته إلى الشطب نهائياً من جدول المشتغلين بمهنة الطب.
وأضاف «الهادى» أن من شروط ترخيص مراكز الإدمان منح كل مريض مساحة لا تقل عن 8 أمتار مربعة، بمعنى أن العنبر الذى تصل مساحته إلى 32 متراً لا يضم أكثر من 4 مرضى، كما لا يجوز قانوناً احتجاز أكثر من 4 مرضى إدمان فى عنبر واحد، لافتاً إلى أن القانون ينص على ضرورة حصول المركز على ترخيص من وزارة الصحة لعلاج المدمنين تحت إشراف طبى، وليس تحت إشراف أشخاص متعافين من الإدمان، أو غيرهم من غير المؤهلين طبياً لهذه المهمة الجسيمة.