فى إطار الهجوم الممنهج على الصحف المستقلة، لصالح الجرائد الناطقة بلسان الإخوان المسلمين، طوّرت اللجان الإلكترونية للجماعة من أدائها للتشكيك فى مصداقية الصحف، وأنشأت موقعاً إلكترونياً بهدف إجراء تقييم مشوّه للأخبار المنشورة على المواقع الإلكترونية، ووضعت صحف «الوطن» و«المصرى اليوم» و«اليوم السابع» فى ذيل قائمة وسائل الإعلام التى تُراعى المصداقية، ونشرته بشكل موسّع على مواقع التواصل الاجتماعى.
ورغم أن موقع جريدة «الوطن» حقّق معدلات قراءة جعلته يحتل صدارة المواقع الإخبارية فى مدة زمنية قصيرة، خرج علينا تقييم أطلق على نفسة «مؤشر مصداقية الإعلام المصرى» منشور على هذا الموقع المنسوب إلى ميليشيات الإخوان الإلكترونية، ووضع أغلب الصحف المستقلة فى ذيل قائمة الصحف ذات المصداقية، فيما احتل موقع «أخبار مصر» رأس القائمة بنسبة مصداقية تصل إلى 99.8%.
اللافت أن مؤشر المصداقية المزعوم، الذى يدّعى أنه مشروع تم تأسيسه من أجل إيجاد إعلام ذى مصداقية عن طريق متابعة ورقابة دقيقة لوسائل الإعلام المختلفة من قِبل فريق من المتخصصين فى عالم الصحافة والإعلام، لا يقوم على متابعة الأخبار من مصادرها، بل يكتفى بالأخبار التى يتم إرسالها من القراء «واللجان الإلكترونية» لفحصها وتقييمها طبقاً لمجموعة من المعايير التى أكد خبراء الإعلام أنه لا علاقة لها بالمصداقية.
وأكدت مصادر أن الموقع يقع ضمن أنشطة خاصة بوحدة الرصد الإلكترونى التى أنشأها خيرت الشاطر، والتى تضم قسمين، عربى وإنجليزى، بهدف رصد وسائل الإعلام المصرية والعربية والأجنبية، وتعرّضت وحدة الرصد لغضب من نائب المرشد قبل انتخابات الرئاسة، عندما قدّمت دراسة عن «مدى تقبُّل الشارع لرئيس إسلامى»، وجاءت النتيجة بأن 60% من الشارع يرفض ذلك، وكانت النتيجة هى إقصاء 6 من العاملين بالمرصد، كان من بينهم أنس القصاص مدير مركز الأبحاث الذى عمل فى الرئاسة فيما بعد مع ياسر على، قبل أن يغضب عليهم مرة أخرى مؤخراً، وأقصى 16 شخصاً بحجة أن المرصد يتعرّض لاختراق من قبَل الصحفيين، حيث يقومون بتقديم معلومات لهم، وتم تجديد الطاقم، حيث يدير القسم العربى الآن يحيى حامد، وكان يعمل أيضاً فى «الرئاسة» مع ياسر على، بينما يتولى خالد حمزة رئيس تحرير «إخوان ويب» القسم الإنجليزى. المصادر قالت إن هناك محاولات لاستقطاب أستاذ إعلام مشهور ليضعوه فى صدارة المشهد فى الموقع، بعد أن فشلوا فى التواصل مع أى شخص غير إخوانى، الأمر الذى جعلهم يتعاملون مع مجموعة الشباب إلى حين الاتفاق مع اسم معروف.
«الوطن» حاولت الوصول إلى حقيقة هذا المؤشر من مؤسسه ومدير تحريره «باسل نوفل» 28 سنة، صحفى سابق ببعض المواقع الرياضية وجريدة «المال»، وقال إن فكرة المؤشر بدأت منذ ما يقرب من عام من خلال مهندس لتكنولوجيا المعلومات بإحدى شركات الاتصالات الكبرى ويُدعى أحمد المهدى تفتق ذهنه عن عمل خيرى للمساهمة فى بناء الوطن عقب الثورة، ويتمثل هذا العمل فى إيجاد وسيلة مستقلة تتمتع بالحياد والشفافية لمراقبة الأخبار وقياس مدى صحتها.
وتابع: «عن طريق أحد أقاربى، وبالصدفة البحتة، التقيت بـ(المهدى) وتشاورنا فى فكرة المشروع وأقنعته بضرورة تعديل تلك الفكرة لصعوبة قياس مدى صحة الخبر، لأننا بذلك نتحوّل إلى وسيلة إعلامية تحتاج إلى جيش من القائمين عليها، لذا اقترحت عليه أن يكون هناك مؤشر يحوى عدداً من المعايير المحدّدة ويتم على أساسها تقيم الخبر الذى يتم إرساله إلينا من القراء الذين يرون أن الخبر يحوى معلومات غير صحيحة، وبناءً عليه يتم عرض الخبر على مجموعة من الشباب -العاملين فى الموقع بشكل تطوّعى ودون أجر- لتقييم الخبر بناءً على المعايير المعدّة مسبقاً، ومنها: هل أجاب الخبر عن الاستفهامات الخمسة؟ وهل الصورة أرشيفية؟ وهل ذكر ذلك أسفل الصورة؟.. إلخ، وفى نهاية الشهر يخرج تقرير عن المواقع، مضيفاً أن «أخبار مصر» التابع للتليفزيون المصرى تصدّر رأس القائمة، تلاه «المصريون» المعروفة بتوجهها المؤيد لسياسات الإخوان، فيما اكتسبت «اليوم السابع» لقب الجريدة الأسوأ.
وعن المصادر التى استند إليها المؤشر لوضع تلك المعايير، أكد أنهم مجموعة من الخبراء والأكاديميين، ولن يذكر اسم أحد منهم حتى لا ينسب المشروع إليه على حد وصفه، خصوصاً أن تلك المعايير تم وضعها أثناء جلسات «دردشة ودية» بينه وبين هؤلاء الخبراء «حول معايير كتابة الخبر الصحفى على حد تعبيره».
وأضاف «أما فيما يتعلق بالقائمين على المؤشر، فهم 12 شاباً، بعضهم طلبة إعلام والبعض الآخر من شباب الخريجين والصحفيين ممن يتم تدريبهم على آلية عمل المؤشر، ليقوموا بممارسة مهامهم من المنزل لعدم وجود مقر للمؤشر»، ويتم الاجتماع بهم «أون لاين».
وأكد أن المؤشر ليس جهة معتمدة لقياس مدى تصديق وتكذيب الخبر، ولكنه مجرد وسيلة للفت نظر القائمين على وسائل الإعلام لتصحيح مسار تلك الوسائل وتصحيح الأخطاء التى يقعون فيها، كما أن المؤشر لا يملك مخبرين صحفيين للتحقُّق من صدق الأخبار وشغله قائم على ما يتم إرساله من القراء، ولا يقوم بمتابعة المواقع على مدار الساعة، لأن تلك مهمة مستحيلة ولا يستطيع القيام بها.
وعن مصادر التمويل، أكد «نوفل» أن المؤشر عمل خيرى قائم على تبرّعات العاملين به، حيث نقوم بجمع مبالغ تتراوح بين 50 و60 جنيهاً شهرياً لنقوم بدفع قيمة اشتراك الموقع على شبكة الإنترنت، مضيفاً أن هناك جهوداً لتحويل المؤشر إلى جمعية أهلية تضم عدداً من الباحثين وتحقق قدراً من الربح.
واستنكر الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، التقييم الذى أصدره الموقع، وطالب الجميع بألا يعتدّوا به. وأشار «العالم» فى تصريح لـ«الوطن» إلى أنه قد يكون وراء هذا الموقع مصالح سياسية أو إعلامية، طالما لم يؤسسه أو يشرف عليه أساتذة متخصصون وذوو ثقة فى الوسط الصحفى والإعلامى، وقد تمتلكه جماعة الإخوان المسلمين أو خيرت الشاطر، نائب المرشد. وأكد أن هذه المواقع المجهولة وتقييمها لا يعتبر مؤشراً للمصداقية ولا يصح أن يوضع فى الاعتبار، وقد يُستخدم فى خدمة أغراض إعلانية لشركات التسويق للتأثير على أسعار الإعلانات، مضيفاً أن فريق العمل «مجموعة من الشباب ليس لديهم أى خبرة فى المجال الصحفى أو الإعلامى».