رئيس معمل الفيروسات بـ«القومي للبحوث»: مصر ستنشئ مصنعاً لإنتاج اللقاحات خلال عامين

كتب: نادية الدكرورى

رئيس معمل الفيروسات بـ«القومي للبحوث»: مصر ستنشئ مصنعاً لإنتاج اللقاحات خلال عامين

رئيس معمل الفيروسات بـ«القومي للبحوث»: مصر ستنشئ مصنعاً لإنتاج اللقاحات خلال عامين

داخل حجرة صغيرة مكتظة بالمكاتب ومليئة بالأوراق المكدسة على الأرفف، يجلس الدكتور محمد أحمد على، رئيس معمل الفيروسات وقسم الأبحاث البيئية بالمركز القومى للبحوث، داخل مكتبه الملحق بالمعمل، الذى استطاع على مدى الأعوام الأخيرة أن يكون نموذجاً لتطبيق البحث العلمى لإفادة المجتمع وإنقاذه من الأمراض والفيروسات الجديدة التى انتشرت فى العالم مؤخراً، فعندما تعالت أصوات الاستغاثة منذ قرابة العشر سنوات بسبب زيادة أعداد المصابين والمتوفين فى مصر بفيروس إنفلونزا الطيور عند ظهوره لأول مرة، صدرت نداءات من معمل الفيروسات بالمركز القومى لجهات مسئولة بالدولة تحث على السعى لاكتشاف لقاح يمنع انتشار الفيروس، إلا أن نداءات المعمل لم تجد من يستجب لها بمبرر «مش أنت الجهة اللى المفروض يطلع من عندها لقاح»!، وبدلاً من الاهتمام بإنتاج لقاح محلى يقضى على الفيروس، اتجهت الدولة إلى استيراد عشرات اللقاحات التى يحذر منها «د. على»، لاحتمالية تسببها فى طفرات جديدة للفيروس.

«الوطن» حاورت رئيس معمل الفيروسات، الذى نشر 14 بحثاً بمجلات دورية عالمية خلال العام الماضى بالتعاون مع عدة دول، على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، للتعريف باللقاح الجديد الذى أنتجه المعمل لمقاومة فيروس إنفلونزا الطيور، ومن المقرر تعميم استخدامه على مستوى الجمهورية، عقب تقييمه من الجهات الرسمية بالدولة خلال شهر ونصف من الآن، وإلى الحوار:

{long_qoute_1}

■ بداية.. حدثنا عن مجهودات المعمل فى التوصل للقاحات جديدة لمقاومة ظهور فيروس إنفلونزا الطيور؟

- بدأنا التعرف على سلالات فيروس إنفلونزا الطيور عام 2006، مع بداية انتشار الفيروس، وظهرت سلالات جديدة منه بدأت تقاوم الأدوية المعروفة فى علاجه، مثل «الأميتادين»، ما جعلنا نفكر فى لقاح واقٍ نستطيع من خلاله السيطرة على انتشار الفيروس، وبالفعل نجح المعمل فى إنتاج اللقاح محلياً، وخاطبنا الجهات المسئولة لبدء إنتاجه فى الفترة التى سبقت ثورة 25 يناير، إلا أن المسئولين فى الدولة لم يستجيبوا، وكان الرد بأننا لسنا الجهة التى من المفترض أن تتوصل لإنتاج هذا اللقاح، وبعد ذلك وجدنا أنواعاً كثيرة من اللقاحات المستوردة، فعلى سبيل المثال، جلبنا من الصين حوالى 20 لقاحاً مستورداً، مع العلم بأن «تجار اللقاحات» لا يفكرون سوى فى المكسب بغض النظر عن إمكانية أن تتسبب هذه اللقاحات فى حدوث طفرات جديدة للفيروس، ولكن فى النهاية الوضع اختلف كثيراً بعد الثورة، وبدأنا فى التعاون مع وزارة الزراعة، بخاصة الهيئة العامة للخدمات البيطرية، ومعهد بحوث الحيوان، لإنتاج اللقاح المضاد للفيروس.

حيث نعمل حالياً على الحد من استيراد اللقاحات المختلفة للفيروس، وإنتاج لقاح محلى يعمم على مستوى الجمهورية، عقب إنتاجه فى الخارج على يد شركات أدوية متخصصة فى اللقاحات، نظراً لكون خطوط الإنتاج المحلية لا تكفى جميع المتطلبات المصرية من اللقاح، ومن خلال تكنولوجيا تحليل السلالات المختلفة لفيروس إنفلونزا الطيور وتحويله لسلالة صالحة لعمل لقاح للمقاومة، توصلنا للقاح جارٍ اختباره، وأتوقع أنه سيكون الوحيد المخصص للاستخدام المحلى، خاصة أن السلالة المحلية لها كفاءة أعلى، واللقاح الذى أجرى معمل الفيروسات اختبارات عديدة له يمكنه مقاومة نوعين من فيروسات الإنفلونزا هما (إتش. فايف. إن. تو)، و(إتش. ناين. إن. تو)، أى يوفر إنتاج لقاحين لكل منهما، ويصبح لدينا لقاح يقاوم بشكل ثنائى سلالتين للفيروس، مما يوفر تكلفة أساليب الحماية بمزارع الدواجن التى تنعكس إيجاباً على أسعار الدواجن، وتقلل من ارتفاعها، وخلال شهر ونصف، يعمد معهد بحوث صحة الحيوان، على تجهيز اللقاح تمهيداً لتقييمه من معهد تقييم اللقاحات، وهى الخطوات الرسمية قبل إصدار قرار من الهيئة العامة للخدمات البيطرية لتعميم استخدامه على مستوى الجمهورية، وفيما بعد لن نلجأ لاستيراد اللقاحات بعد إنشاء مصنع كبير لإنتاج اللقاحات فى مصر خلال عامين من الآن، مما يوفر للدولة المبالغ المالية بالعملة الصعبة التى نتكبدها فى استيراد هذه اللقاحات.

{long_qoute_2}

■ ما نوع التكنولوجيا التى استطاع من خلالها معمل الفيروسات إنتاج لقاح محلى لإنفلونزا الطيور؟

- أولاً، بدأنا فى معالجة مشكلة إنتاج لقاح للفيروسات شديدة الضراوة، التى تحتاج لحقن الفيروس فى بيض مخصب يحوى جنيناً للدواجن عمره من 9-11 يوماً، وعقب حقن الفيروس فى البيضة يزيد عدد الفيروسات بشكل كبير داخل البيضة ما يؤدى لموت الجنين، ما يجعلنا نحتاج لملايين البيض لنستطيع الحصول على لقاح معين من الفيروس عالى الضراوة، ما جعلنا نفكر فى تحليل نفس سلالة الفيروس عالى الضراوة إلى أقل ضراوة باستخدام تكنولوجيا الهندسة الوراثية العكسية، حيث تتلخص هذه التكنولوجيا فى تحليل المادة الوراثية للفيروس شديد الضراوة للتعرف على الجزء المتسبب فى زيادة ضراوة الفيروس بالمادة الوراثية، وفى حال فصل هذا الجزء من المادة الوراثية وإعادة ربطها ينتج لدينا نفس سلالة الفيروس ولكن بضراوة أقل، فتمكنا من إنتاج اللقاح خلال فترة يمكن أن تصل إلى 4 أيام بدلاً من أسابيع، ومعملنا هو الوحيد فى مصر الذى يمتلك هذه التكنولوجيا فى تحليل سلالات فيروس إنفلونزا الطيور، وتحويلها بالشكل الذى يسمح بإنتاج لقاح.

■ كيف يعمل المعمل على مراقبة تطور سلالات إنفلونزا الطيور؟

- نعمل على مراقبة عدد من الفيروسات، وليس فقط إنفلونزا الطيور، بينها فيروس «كورونا» المنتشر فى 20 دولة، وظهر فى المملكة العربية السعودية عام 2012، وبدأنا فى مصر من خلال المعمل عام 2013، برصد الفيروس فى «الجمال» بالتعاون مع هيئة الخدمات البيطرية، من خلال أخذ عينات من الجمال المستوردة خلال فحصها بحجر «أبوسمبل» الصحى، لمراقبة نشاط الفيروس، الذى لم ينتقل بعد إلى مصر، وفى حال انتقال فيروس كورونا للإنسان، سنكتشف ذلك ويمكن حينها التدخل للحد من انتشاره.

■ ماذا عن النشاط البحثى للمعمل بالدوريات العلمية العالمية؟

- نشرنا خلال عام 2016 ما يقرب من 14 بحثاً بدوريات علمية عالمية مرموقة، وذلك بالتعاون مع فرق بحثية دولية، مثل مستشفى «سان جون» الأمريكية، ونحصل على منح من جهات دولية ومحلية، مثل صندوق العلوم والتكنولوجيا التابع لأكاديمية البحث العلمى، من أجل تنفيذ مشروعات بحثية داخل المعمل يشارك فيها 11 باحثاً يعملون فى معمل الفيروسات، والبحث العلمى فى مصر بدأ طريق الإصلاح، ولكن نحتاج لقليل من الصبر لجنى الثمار، خاصة أن البحث العلمى فى الفترة ما قبل ثورة 25 يناير شهد إهمالاً وفساداً مثلما شهدت معظم أجهزة الدولة، وللأسف هناك من تسبب فى تعطيل الكثير من الأبحاث العلمية.

■ ما الذى منعك من أن تكون باحثاً تقليدياً يبحث عن الترقيات بدلاً من مواجهة الصعاب لإفادة المجتمع بأبحاثك العلمية؟

- لأننى ببساطة أخشى من لقاء ربى، وعندما يسألنى ماذا فعلت، لا أريد أن أجيب بأننى تراخيت عن العمل لإحاطتى بأشخاص لم يساعدونى على إنتاج ما يفيد مجتمعى، ما جعلنى أواجه تحديات، خاصة فى الفترة التى سبقت ثورة 25 يناير، حتى إن الجهات المسئولة بالدولة رفضت استخدام اللقاح الذى أنتجه المعمل ليساعد على منع انتشار الفيروس، ويحد من زيادة عدد الوفيات، وذلك بدعوى أن المعهد ليس الجهة المنوط بها إنتاج هذا اللقاح، وعندما سألنى أحد الطلاب ضمن فريق العمل بالمعمل «إحنا بنشتغل ليه؟»، لم أستطع الإجابة عن هذا السؤال الصعب سوى بأننا نعمل لحين تحسن أوضاع الدولة التى ستحتاج لنا فى أقرب وقت، وهذا ما حدث بالفعل، حالياً تحسنت الأوضاع بشكل كبير.


مواضيع متعلقة