بروفايل: عبدالناصر.. ذكرى لا تموت

كتب: الوطن

بروفايل: عبدالناصر.. ذكرى لا تموت

بروفايل: عبدالناصر.. ذكرى لا تموت

صرخة حادة انطلقت من حنجرة الوليد معلنة وصوله للدنيا، رغم حدتها ضاعت وسط ضجيج الناس الذى لا ينقطع فى شارع قنوات بحى باكوس بالإسكندرية قبل 99 عاماً، نفس الناس الذين سيختلط بهم الوليد فور أن تدب قدماه على الأرض، فيألفهم ويألفونه، ثمة علاقة خفية ستربطه بهم للأبد، لعل مبعثها أن والده واحد منهم، مجرد موظف بسيط بمصلحة البريد لا يملك من حطام الدنيا أكثر من راتبه الضئيل، وربما لأن الحياة التى سيشب فيها الوليد فيما بعد لن تكون سهلة ولا منعّمة، سيتنقل من الإسكندرية للقاهرة فيتلقى تعليمه فى المدارس الحكومية، يسكن البيوت القديمة فى حوارى الجمالية، يركب الترام والأوتوبيس وقطارات الدرجة الثالثة فى وادى مصر ودلتاها، يسير على قدميه عشرات الأميال فى الطرق المعفّرة، يأكل الفول والطعمية والجبن القريش والعيش البلدى، يشرب الشاى الأسود على مقاهى الحسين والسيدة زينب، يلبس قطن المحلة وكفر الدوار، يضع قدميه فى الأحذية الرخيصة، يعيش عيشة أهله من المصريين، فلا يتطلع للقصور ولا تخطف عينه أضواء السلطة حتى بعد أن يجلس على أكبر كراسيها، ويصبح رئيساً معروفاً فى العالم كله باسم «جمال عبدالناصر».

واضعاً حياته على كفه هو ورفاقه من ضباط الجيش خرج عبدالناصر عشية يوم 23 يوليو عام 1952 ليخلع الملك فاروق عن عرشه، ويعلن وزملاؤه من الضباط الأحرار ولاءهم للشعب المصرى فقط، ينحاز الضابط الشاب للفلاحين والعمال والفقراء، فيعمل على تذويب الفوارق بين الطبقات، ما يسمح للطبقة المتوسطة بأن تنتعش وتزدهر، يفرض مجانية التعليم، ويصدر قانون الإصلاح الزراعى ويقضى على الإقطاع، ويؤمم مصانع القطاع العام كما يؤمم قناة السويس، يعيد مصر مرة أخرى للمصريين، فيرفعون رأسهم للمرة الأولى بعد سنوات طويلة من خفضها ضعفاً وإذلالاً.

نظرة واحدة إلى أرشيف عبدالناصر من الصور والفيديوهات تكشف رصيده الضخم من حب الناس داخل مصر وخارجها.. موكبه بالسيارات المكشوفة فى شوارع القاهرة والجماهير تتزاحم لتسلم عليه.. طلته من شباك قطار ينطلق محفوفاً بصفوف يصعب عدها من المواطنين.. وقوفه أعلى منصة ليخطب فى الجموع الحاشدة التى تنصت له فى اهتمام غريب، صوته الذى يرن فى القاهرة فتتوقف له حركة السير من المحيط للخليج، جنازته المهيبة التى لا يزال العالم يتذكرها وكأنها وقعت بالأمس، حتى ذكرى ميلاده التى تحل اليوم لتستدعى تاريخ حياته التى وهبها للناس فيزوروا ضريحه ويقرأوا له الفاتحة داعين له بالرحمة والمغفرة.


مواضيع متعلقة