مدخل المنطقة: مشاريع خاسرة.. وأحلام ضائعة على «الجانبين»
مدخل المنطقة: مشاريع خاسرة.. وأحلام ضائعة على «الجانبين»
- أرض الواقع
- أكوام القمامة
- أهالى إمبابة
- اتخاذ القرارات
- الاحتلال الفرنسى
- الاقتصاد الوطنى
- الحملات الانتخابية
- الرائحة الكريهة
- الزعيم الراحل
- آثار
- أرض الواقع
- أكوام القمامة
- أهالى إمبابة
- اتخاذ القرارات
- الاحتلال الفرنسى
- الاقتصاد الوطنى
- الحملات الانتخابية
- الرائحة الكريهة
- الزعيم الراحل
- آثار
«إمبابة.. إمبابة» يتعالى صوت التباع المتدلى من باب «المينى باص» المقبل من منطقة فيصل ماراً بشارع السودان إلى أرض القنبلة، ما إن ينعطف بعنف بجوار «المحكمة» حتى تبدأ معالم «إمبابة» تتضح لزائرها شيئاً فشيئاً.
منازل قديمة للغاية على الجانبين، والبداية فى إمبابة دائماً مع شارع «ترعة السواحل»، الذى يضم على جانبيه عدداً من المشاريع الكبرى مثلت أملاً لأهل المنطقة فى مراحل سابقة، إلا أنها لم تلبث أن استحالت إلى خيبة أمل فى مراحل لاحقة.
{long_qoute_1}
عن اليمين، يمر الزائر بسور متهالك يخفى خلفه مخازن المؤسسة العامة للتوكيلات، التى تحول سورها إلى جراج خاص، من بعدها قطعة أرض فضاء كبيرة عبارة عن مخزن للسيراميك، تقابلها على اليسار شركة النصر للغزل والنسيج والتريكو «الشوربجى»، بلافتاتها العديدة لمشتملاتها من قاعة أفراح وجمعية تعاونية منزلية للعاملين، وعدد من المحال المغلقة، وتحول سور المصنع بدوره إلى موقف سيارات وورشة للسمكرة ومقر للراغبين فى كوب شاى من صاحب نصبة عجوز يتخذ من رصيف المصنع مستقراً له.
بعد المصنع تعود مساحات الفضاء للظهور، تلك المنطقة التى تحمل لافتة بعنوان «أرض ملك شركة أكتوبر للتنمية والاستثمار» هى ذاتها الأرض التى حمل أهل إمبابة الكثير من الأمنيات بشأنها، حيث قيل قبل سنوات عديدة إنها ستشهد مشروعاً اسمه «حدائق إمبابة المعلقة». {left_qoute_1}
يتذكر «كريم عبدالقادر» الرجل الأربعينى الأحاديث التى ترددت فى ذلك الوقت حول المشروع الذى بدا له خرافياً وقتها: «كنا لسه عيال وسمعنا إن حتة الأرض الفاضية الواسعة هيتعمل فيها حاجة اسمها حدائق إمبابة المعلقة، وقتها افتكرت اللى درسناه عن حدائق بابل المعلقة، وقلت لنفسى إمبابة هتعدى الفلنكات، لكن نقبنا طلع على شونة، وحتة الأرض فضلت فاضية لحد دلوقت».
تناقض كبير بين كل تلك المساحات الفارغة، وبين مشهد الاكتظاظ الذى ترسمه «إمبابة» فى ذهن زائريها، خصوصاً فى أوقات المواسم والأعياد.
ينتهى «المينى باص» عند تلك المنطقة الشهيرة بـ«النفق» الذى يمر من أعلاه خط السكة الحديد، عن يمينه مشروع شباب الخريجين وعن شماله مبنى قديم يحمل لافتة مكتوباً عليها «مشروع النقل الجماعى والسرفيس»، أما النفق نفسه فيستقبلك بلافتة تهنئة عملاقة مصدرها نواب الدائرة بمناسبة عيد الميلاد المجيد.
من بعد النفق تبدأ الحكايات والمشاهد التى تحكى بصدق حال «إمبابة»، تلك التجربة التى تبدأ بسد الأنوف جراء الرائحة الكريهة للغاية والمشاهد الأكثر كراهة لأكوام القمامة يجلس إلى جوارها البشر فى استسلام شديد، فعن اليمين سوق السمك الذى يعوم وسط بركة من المجارى، وعن اليسار سوق الخضار ومخلفاته، عشش متجاورة تحمل لافتات وتبيع أغراضاً مختلفة، ملابس ومخللات وعطور، إلى جانب عربات خشبية تحمل الصالح والطالح من الخضراوات والفاكهة، ولكل منها سعره وزبونه.
{long_qoute_2}
المنطقة التى يعوم مدخلها على بركة من المجارى منذ أكثر من عام، بح صوت سكانها من الشكوى، وما بين غلاء اللحوم، والدجاج، يجد البعض فى الأسماك ملاذاً آمناً، لكن الوصول إلى السوق يبدو مستحيلاً للبعض دون أن تتلوث أحذيتهم بالمجارى وتزكم أنوفهم الروائح القذرة، سواء تلك المنبعثة من مخلفات سوق السمك، أو المقبلة من المياه الراكدة حوله.
السوق التى تضم 73 محلاً، تعد هى الأخرى أحد المشاريع الراكدة فى «إمبابة» بحسب سامح صلاح، عضو مؤسسة «مش لوحدك» للتنمية وحقوق الإنسان، قال لـ«الوطن»: «السوق تم إنشاؤها منذ أكثر من 40 سنة، وأصبحت تعانى الهجر حتى فى يوم الجمعة بسبب سوء المرافق وعدم النظافة وكثرة المديونية»، كثير من الحزن يخيم على أصحاب المحال والباعة الصغار من حوله، فمشهد السمك المقرون بالرائحة القذرة لا يثير شهية أى أحد. وحتى «النواب» الذين زاروه فى أثناء الحملات الانتخابية وعدوهم بالتطوير والتغيير وبعد نجاحهم «محدش دخل السوق تانى».
فى أكتوبر الماضى، أعلنت النائبة عن دائرة إمبابة، نشوى الديب، أنباء طيبة بشأن السوق التى بدت أن ثمة مشروعاً لتطويرها، وعدد آخر من المشروعات التى تضاف إلى القائمة الطويلة، وقالت إن «الحل فى إقامة عدد 2 سوق متعدد الطوابق الأول أعلى موقف أوتوبيس مدينة العمال، والثانى من سوق السمك إلى بداية شارع العامل الأول»، حصلت النائبة على موافقة المحافظ وموافقة هيئة النقل العام وتم تخصيص قطعة أرض بمساحة 3500 متر بأرض المطار لعمل أكبر موقف أوتوبيس فى الجيزة كلها، وأكدت النائبة أنه «بهذا سيسير الأوتوبيس فى كل شوارع إمبابة الكبرى وهتتعمل محطات أوتوبيس فيها، وسيجرى الحفاظ على آدمية البائع الجائل وكرامته من البلدية، وعلى مصدر رزقه بعد أن يستلم كل واحد منهم باكية فى السوق متعدد الطوابق».
ثلاثة أشهر أخرى مرت على الأحاديث التى لم يبد أن ثمة ظلاً لها هى الأخرى على أرض الواقع، فلا تزال «المجارى» هى الحقيقة الوحيدة التى يعيشها سكان المنطقة كل يوم، الذين يزيد عددهم على المليون ومائتى ألف، وفقاً لكشوف الناخبين، يمرون يومياً على ذلك الطريق العامر بمخلفات البشر والحيوانات، ذهاباً وإياباً.
الأرض التى تغيرت تسمياتها من «إنبابة» إلى «إمبابة» ومن مجرد قرية تواترت أنباؤها فى «خطط المقريزى» لتقى الدين المقريزى (1356- 1441) و«عجائب الآثار فى التراجم والأخبار» لعبدالرحمن الجبرتى (1753- 1825)، إلى واحدة من دعائم الاقتصاد من ثلاثينات القرن الماضى، وحتى يومنا هذا، لم تتوقف خطط المسئولين بشأنها لحظة، مع ذلك تبقى أحوال أهلها على ما هى عليه.
المنطقة الواعدة التى اعتبرتها السلطات منطقة صناعية مهمة، فى الثلاثينات من القرن الماضى شهدت تشييد مصانع مثل «الأنجلو إيجبشيان موتورز للسيارات» عام 1937، ومبنى مصنع الشوربجى للنسيج 1940، وصولاً لاعتبارها عموداً فى الاقتصاد الوطنى فى عهد الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الذى نقل مرافق مهمة إليها من بولاق أبوالعلا، فى مقدمتها المطابع الأميرية، والترسانة، فضلاً عن تأسيس مصانع عملاقة كمصنع «الكراسى» وغيره، حتى إن الرجل أسس مدينة العمال أحد أرقى مناطق إمبابة حالياً بالنسبة إلى سكانها على طريقة «الشىء لزوم الشىء».
أرض الأساطير، هكذا يمكن تسمية الأرض التى لا يزال اسمها يتردد فى كتب التاريخ الفرنسية باعتبارها شاهداً على انتصارات «نابليون» تحديداً فى 21 يوليو 1798 حين انتصر قائد الاحتلال الفرنسى فى معركة «الأهرام» بإمبابة، هى هى ذات الأرض التى تحمل بدورها أساطير روحانية أشهرها أسطورة العارف بالله سيدى إسماعيل الإمبابى صاحب المقام الشهير خلف مبنى قسم إمبابة، وهو ذلك الشيخ الذى عبر النيل على منديل، بحسب حكايات أهلها، ولا يزال مريدوه يزورون قبره ويتبركون بصاحب الكرامات والحكايات.
إمبابة هى المنطقة الوحيدة التى حظيت بلقب «دولة» مثلت فأر اختبار لخيارات الدولة الفاشلة، بحسب الدراسة التى أعدتها مبادرة «التضامن العمرانى بالقاهرة» حول المنطقة وموقفها العمرانى، قالت الدراسة: «تعكس إمبابة قصة مناطق عديدة فى القاهرة الكبرى وخصوصاً مناطق الجيزة التى قررت الدولة حضرنتها دون تخطيط كامل، ثم انزعجت من توسع الحضر فيها بشكل خارج عن سيطرتها».
بحسب البحث المعمق عن الموقف العمرانى لإمبابة، فإنها عقب سنوات من القرارات والأنظمة ضمت طبقات من الريف والحضر والرسمى واللارسمى، وباتت مثل حى لأثر تحول السياسات على المجتمع وقيمه وأنشطته الحياتية اليومية، فتلك المنطقة البريئة التى نشأت كمجتمع ريفى بشكل عفوى إلى جانب النهر، حيث عمل أهلها بالزراعة لقرون، قررت الدولة استبداله بمجتمع صناعى دعمته بمنشآت للعمل والإنتاج ووسائل للمواصلات (الكوبرى، والترولى، ومحطة القطارات)، وأصبحت بحسب البحث خليطاً من بقايا الماضى، تعتمد على مجهوداتها الذاتية أكثر ما تعول على الدولة فى بناء مساكنها وإدارة حياتها.
المنطقة التى تم اختيارها أخيراً لتصبح «مدينة تعليمية متكاملة» فضلاً عما تشهده من عمل يجرى تحت عنوان «تطوير شمال الجيزة» تبدو بحاجة لما هو أهم من الخطط والمشاريع حسب الدراسة، فرغم «أهمية توفير مراكز خدمية، ومن أن توسعة الشوارع، قد يكون إجراء جيداً لتسهيل الحراك داخل المدينة وفى الغالب ما يعود بالنفع على المناطق السكنية المزدحمة بالسكان وأنشطتهم، فإن ما تحتاجه إمبابة حقاً بحسب الأبحاث هو مراجعة آلية اتخاذ القرارات وتطبيقها، حيث تنقلب حياة سكان المنطقة بأكملها مع كل قرار وخطة جديدة للمسئولين».
عمليات التطوير والتحديث التى تجرى منذ بدايات القرن انتهت مع كل مرة إلى مزيد من التشوه لافتقارها إلى مفهوم «الاستدامة»، فكان لا بد لتلك القرارات أن تعلى المصلحة العامة لأهالى إمبابة أولاً، وأن يكون التطوير متمحوراً حول حيواتهم واحتياجاتهم، وليس مجرد تطوير للشوارع والمنشآت فقط، ولم تشمل مخططات مدن عمال الخمسينات القرى والمساكن اللارسمية المحيطة، لم يشمل مخطط أرض المطار الجديد دراسة أثر المشروع على عزبة المطار ومدينة الأمل والبراجيل والمنيرة الغربية وجميع المناطق المحيطة، ما يخلق بالتأكيد مزيداً من العشوائية فى هذه المناطق.