رامى جلال رامى جلال وزير التعليم وشَربة الحاج محمود
الخميس 18-05-2017 | PM 10:10

لا خلاف كبير على أن نظام التعليم المصرى بشكله الحالى يسرق سنوات العُمر الجميلة، ويُنتج كائنات بائسة ويائسة؛ غير مثقفة أو متعلمة أو واعية. ومن المؤكد أن علاج ذلك لا يمكن أبداً أن يكون عن طريق «شَربة الحاج محمود».. والحاج محمود هذا هو أول من قدم «الكفتة» على شكل «شربة» تشفى كل الأمراض دون أى استثناءات، وكان يلف بجهد وإصرار على البيوت للإعلان عن شربته السحرية، وذلك قبل اختراع برامج «التوك شو» التى يظهر بها السيد وزير التعليم الحالى كل سبع دقائق، وغالباً ما يحدثنا عن نفسه وإنجازاته الكبيرة حول العالم، كمن يبحث عن عروسة. والأفضل فى تقديرى أن يكون للرجل برنامج خاص يظهر به ليُعرّفنا، ويُعرّف العروسة، أكثر بنفسه.

من الطريف أن تكون مشكلة التعليم فى مصر مستمرة منذ عشرات السنوات، ثم يأتى شخص ما من العدم وكوابيس «دون كيشوت»، دون مقدمات ولا «أمارات»، ليمتطى جواده ويشهر سيفه، ناظراً لنا من تحت نظارته الطبية، قائلاً: «وجدتها»، ثم يقدم «شربة الحاج محمود» لنشربها جميعاً، عنوة، فى صحة المنطق الذى يتراقص الآن ضاحكاً علينا.. يريدون لنا أن نشرب دون سؤال، بينما المشكلات الصعبة والأمراض العضال لا تُعالج بهذه الطريقة، بل تحتاج إلى وقت طويل من الاستماع إلى الخبراء المعتبرين (اللى بجد)، دون إقصاء لأحد.

النظام الجديد، بشكله المطروح، سيفيد فى عملية تغول من بيده التقييم، وسينتقل قسم من الأموال من بند الدروس الخصوصية إلى خانة هدايا المحسوبية، لأن سلو بلدنا معروف والأجهزة الرقابية غير فاعلة (تأمل وضع السواد الأعظم من مأمورى الضرائب ومفتشى الصحة ومراقبى الجودة وموظفى الأحياء.. إلى آخره لو كان له آخر).

النظام المقترح يلغى مثلاً «مكتب التنسيق» الذى يمثل آخر صور العدالة الاجتماعية، وهو الطريقة الوحيدة للتوزيع العادل، تبعاً لمعيار الامتحان (الذى يحتاج مع المناهج لثورة تطوير طبعاً). مكتب التنسيق هو حجر زاوية إذا تم إبعاده ينهار البناء كله؛ فبدونه سيلتحق أى شخص بكلية الطب لأن معه كارت توصية من «محسن بيه» الشهير، أو بكلية الهندسة لأنه قريب السيد «محسن ممتاز» من مسلسل رأفت الهجان.. أىّ «محسن» سيكون قادراً على التأثير تبعاً لمبدأ «لله يا محسنين».

الطريف أن من يتحدث مثلاً عن الديمقراطية أو الحريات العامة أو العدالة الاجتماعية يقولون له «مصر لها خصوصيتها»، بينما فى موضوع خطير كالتعليم يتم انتهاك تلك الخصوصية على رؤوس الأشهاد. فالأنظمة الآتية من دول أخرى لا تشبهنا فى أى شىء، ستكون مثل من يحاول ارتداء «بيبيون» على اللحم! فلا هو ستر عورته ولا وقى نفسه شر البرد، بل أصبح أضحوكة الجميع.. لأن استجلاب نظم أجنبية مصممة للعمل فى نسق كامل مختلف، هو كزراعة بذور نبات قطبى فى أرض صحراوية قاحلة.

نظام يشبه «شربة الحاج محمود اللى بتطرد الدود وتورد الخدود» أو منظومة مثل «كريم أم عطية، يخلى البشرة مندية»، هى وصفات لن تفيد التعليم فى مصر، وسيكون إنجازها الوحيد هو تسليم المريض المحتضر جثة هامدة خلال فترة وجيرة للغاية.

تعليقات الفيس بوك

عاجل