ثورة 25 يناير علّقت تفعيل نظام «الخروج المبكر».. و«قانون الخدمة» أعاده للحياة والعمال: ظاهره الرحمة وباطنه العذاب

كتب: محمود الجمل

ثورة 25 يناير علّقت تفعيل نظام «الخروج المبكر».. و«قانون الخدمة» أعاده للحياة والعمال: ظاهره الرحمة وباطنه العذاب

ثورة 25 يناير علّقت تفعيل نظام «الخروج المبكر».. و«قانون الخدمة» أعاده للحياة والعمال: ظاهره الرحمة وباطنه العذاب

أقدمت الحكومة على إعادة تفعيل نظام «المعاش المبكر» ضمن بنود قانون «الخدمة المدنية» الجديد، بعد تعطيل العمل به كإحدى أدوات إعادة الهيكلة الإدارية التى استخدمتها حكومة الدكتور عاطف عبيد، رئيس الوزراء الأسبق، عند إطلاق برنامج «الخصخصة» آنذاك. كانت مظاهر الفوضى والغضب والاحتجاجات الفئوية التى صاحبت ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ أحد الأسباب التى أرغمت حكومات مع بعد الثورة على تعليق العمل بنظام المعاش المبكر.

وبعد إقرار قانون «الخدمة المدنية» لإعادة هيكلة الجهاز الإدارى للدولة، عاد الجدل من جديد حول مزايا وعيوب تطبيق «المعاش المبكر» فى أوساط العمال والمعنيين بالشأن العمالى فى مصر الآن.

«الوطن» استطلعت آراء الخبراء والمسئولين السابقين والعمال ومنهم من طُبق عليهم «المعاش المبكر» حول المزايا والعيوب والأضرار والفوائد التى ستجنيها الدولة والعمال من وراء تطبيق النظام على حد سواء.

وقال الكيميائى عادل الموزى، الوزير المفوض السابق عن وزارة قطاع الأعمال العام حتى عام 2012، إن نظام المعاش المبكر تم تطبيقه فى نهاية التسعينات وتم إيقاف العمل بهذا النظام بعد اندلاع ثورة 25 يناير بعدة أشهر، موضحاً أن «تطبيق هذا النظام بدأ فى عهد الدكتور عاطف عبيد، عندما كان يتولى حقيبة وزارة قطاع الأعمال العام خلال الفترة من عام 1999 وحتى عام 2004، وكانت نتائج تطبيق هذا النظام فى تلك الفترة إيجابية للغاية، وتجلت هذه الآثار الإيجابية فى شركات الأسمنت الحكومية التى تم خصخصتها مثل شركتى «أسمنت أسيوط» و«أسمنت السويس»، خاصة فى الشركات التى تتميز بكثافة كبيرة فى عدد العمالة بها، على سبيل المثال، هناك شركة «أسمنت أسيوط» التى تم بيع 90% من أسهمها لمستثمر مكسيكى وخرج نحو 3500 عامل بنظام المعاش المبكر طواعية ودون إجبار، علماً بأن نظام المعاش المبكر لا بد أن يأتى بالتراضى بين الطرفين، ولا يمكن إجبار عامل على ذلك تحت أى ظرف وفقاً للقانون.

وأضاف «الموزى» لـ«الوطن» أن شركة أسمنت أسيوط استطاعت التخلص من الخسائر التى كانت تتكبدها فى السابق، وتضاعف الإنتاج، حيث كانت الطاقة الإنتاجية لمصانعها قبل خصخصة وبيع الشركة تقدر بنحو 3.8 مليون طن مترى سنوياً، بينما الطاقة الإنتاجية الحالية للشركة بلغت 5.7 مليون طن مترى سنوياً، محققة زيادة إنتاجية بنسبة 50٪ تقريباً، وأعتقد من وجهة نظرى الشخصية أن الشركة لم تكن تستطيع تحقيق تلك الطفرة وهى محملة بكثافة عمالية زائدة عن الحاجة، وهذا سبب رئيسى فى نجاح الشركة المشهود حالياً، وهو أمر يعلمه الجميع.

واعتبر «الموزى» أنه «حتى ولو كانت الشركات رابحة فلا يمكن النظر إلى وضع الشركة من الجانب المحاسبى فقط، ولكن لا بد أن تؤخذ فى الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والبيئية الأخرى، لأن الشريك الأجنبى فى حالة (أسمنت أسيوط) أدخل تكنولوجيا جديدة تقلل من معدلات الانبعاث الحرارى كان لا يمكن تطبيقها فى الظروف السابقة على تطبيق نظام المعاش المبكر».

ورغم ذلك رفض «الموزى» العودة للعمل بهذا النظام حالياً، قائلاً: «لكل مرحلة أدوات، والمرحلة الحالية ليست مناسبة لتطبيق هذا النظام، لأن معدل البطالة قبل ثورة يناير كان لا يتخطى نسبة الـ10% فقط، بينما حالياً المعدل يتخطى حاجز الـ12.5%، وفى ظل الوضع الحالى تبحث الحكومة جاهدة عن فرص عمل جديدة لتشغيل المتعطلين عن العمل، يعنى البلد مش ناقصة بطالة، والعمال هيفرحوا بالفلوس ويصرفوها وبعدين يقعدوا على المقاهى ينعوا حظوظهم السيئة».

ورحب المهندس زكى بسيونى، الرئيس الأسبق للشركة القابضة للصناعات المعدنية، إحدى شركات قطاع الأعمال العام، بعودة العمل بنظام المعاش المبكر مجدداً.

وقال «بسيونى» لـ«الوطن» إن نتائج تطبيق «المعاش المبكر» فى فترة نهاية التسعينات كانت هائلة، رافضاً إطلاق مسمى «نظام المعاش المبكر»، مشيراً إلى أن «المسمى الحقيقى والأفضل والعادل هو إعادة الهيكلة الإدارية والعمالية فى دولاب الدولة، فبجانب إعادة الهيكلة الاقتصادية والفنية هناك أيضاً إعادة هيكلة إدارية».

وتابع «بسيونى» أن «الأرقام والبيانات والمؤشرات هى خير دليل للحكم على كفاءة تطبيق أى نظرية أو نظام اقتصادى أو استثمارى»، موضحاً أن «هذه الأرقام والبيانات والمؤشرات تؤكد أن الشركات التى تم خصخصتها وإعادة هيكلتها مالياً وفنياً واقتصادياً وإدارياً للتخلص من العمالة الزائدة غير المنتجة والتى تمثل عمالة وطاقة عاطلة فى فترة نهاية التسعينات من القرن الماضى، أصبحت شركات ناجحة بكل المقاييس، والمراكز المالية للشركات حالياً هى خير حجة ودليل للرد على المشككين فى ذلك، ما يعنى أن إعادة الهيكلة ساعدت على نجاح تلك الشركات».

وأكد «بسيونى» أن «نظام المعاش المبكر إحدى الأدوات المهمة جداً التى استخدمتها الدولة لتحسين إدارة الأصول من خلال خصخصتها، وكان لا يمكن استثمار أصول الدولة بهذا الحجم الكبير فى العمالة التى تعد بمثابة بطالة مقنعة، وكان من المستحيل على أى مستثمر أن يشترى شركة وبها وظيفة يقوم بها 10 أفراد، فى حين العدد المثالى لتنفيذ نفس الوظيفة هو فردان فقط، وإعادة هيكلة العمالة أمر مطلوب حسب الاحتياجات الفعلية لكل شركة على حدة».

وأوضح الرئيس الأسبق للشركة القابضة للصناعات المعدنية أن «الشركات الناجحة فى العالم وليس فى مصر فقط لا تستطيع أن تحقق نتائج جيدة دون إعادة هيكلة إدارية لموظفيها وعمالها كل فترة زمنية، وهذا شىء متعارف عليه فى العالم أجمع وليس بدعة ونظاماً عظيماً ومطلوباً فى الوقت الحالى فى مصر»، مطالباً بتطبيق إعادة الهيكلة الإدارية لكل وحدة سواء على المستوى الخدمى أو الإنتاجى فى مصر سواء فى القطاع العام أو قطاع الأعمال العام والهيئات الاقتصادية.

وعقد «بسيونى» مقارنة بين نموذجين من الشركات التى تم خصخصتها وإعادة هيكلتها إدارياً وتطبيق نظام المعاش المبكر، وهما شركة «أسمنت السويس» وأخرى لا تزال مملوكة للدولة وما تزال تدور فى فلك الخسائر المدوية، وهى «الشركة القومية للأسمنت» فى حلوان، موضحاً أن النموذج الأول وهى شركة «أسمنت السويس» التى انطلقت إلى العالمية، هى واحدة من الشركات الناجحة بمقاييس دولية وحققت نجاحاً باهراً وزادت الإنتاجية أربعة أضعاف، وكذلك الأجور تضاعفت أكثر من ثلاثة أضعاف، كما أن البيئة الداخلية والصناعية مصنفة عالمياً، لافتاً إلى أن الشركة لم تتحول من الخسارة إلى الأرباح ومضاعفة الأجور وتحسين البيئة الداخلية دون إعادة الهيكلة الإدارية إلا بعد خصخصتها.

وعن النموذج الثانى، وهى «الشركة القومية للأسمنت»، قال «بسيونى»: «فى المقابل نجد شركة تعمل فى نفس قطاع الأسمنت ومملوكة للدولة تحت مظلة قطاع الأعمال العام سقطت فى دوامة الخسائر، وهى تعانى من تكبد خسائر فادحة منذ سنوات، وقد استفحلت معدلات الخسائر فى العامين الماضيين بشكل مخيف»، منوهاً بأن «القومية للأسمنت» هى إحدى الشركات التابعة لشركة الصناعات الكيماوية، وتأسست عام 1956 بموجب قرار مجلس الوزراء رقم 7969 الصادر فى 14/3/1956 وكانت أول شركة أسمنت برأسمال مصرى 100%، غير أن العمالة الزائدة أدت بها إلى دوامة الخسائر.

وأرجع «بسيونى» الخسائر إلى العام المالى 2013، مع بداية عملية التطوير التى تأخرت بشكل كبير لعدم قدرة الشركة على تكلفة التطوير، بعد أن تفاقمت خسائرها بشدة، حيث إن نتائجها المالية المجمعة عن الفترة من يوليو 2016 حتى مارس 2017، أكدت أن صافى الخسائر بلغ 337.2 مليون جنيه، وأن الدلائل تشير أيضاً إلى خسائر متوقعة بنهاية العام المالى الحالى ستصل لنحو 600 مليون جنيه.

وكشف مصدر مسئول بالشركة القابضة للصناعات الكيماوية، إحدى شركات قطاع الأعمال العام، أن مجلس إدارة شركة «القومية للأسمنت» تدرس خلال الفترة المقبلة خطة لإعادة هيكلة العمالة فى إطار تطبيق نظام المعاش المبكر، مؤكداً «أن الخطة تستهدف إيقاف نزيف الخسائر التى تعد تكلفة الأجور والبطالة المقنعة والزائدة باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية فى زيادة خسائر الشركة فى العامين الماضيين.

وأضاف المصدر أن خسائر الشركة بلغت حتى نهاية مارس الماضى نحو 400 مليون جنيه، وفى المقابل تقترب تكلفة أجور العاملين من هذا الرقم بـأكثر من 360 مليون جنيه العام المالى الماضى، خصوصاً أن عدد العمال حالياً يصل إلى أكثر من 2450 عاملاً، ومنهم نسبة كبيرة من العمالة الزائدة وهى أهم المشاكل التى تعانى منها الشركة «القومية للأسمنت»، مقارنة بأعداد العاملين بشركات الأسمنت فى القطاع الخاص.

ورفض المهندس خالد الفقى، عضو مجلس إدارة الشركة القابضة للصناعات المعدنية ونائب رئيس الاتحاد العام لنقابات عمال مصر، عودة تطبيق نظام «المعاش المبكر» من جديد بعد إيقاف العمل به إثر اندلاع ثورة 25 يناير، قائلاً: «نحن ضد تطبيق نظام المعاش المبكر ونرفضه رفضاً تاماً».

وحدد «الفقى» أسباب الرفض قائلاً إن «الدولة تعانى من ارتفاع فى معدل البطالة تخطى حاجز الـ12% والوضع الاقتصادى فى الوقت الحالى، والأمر لا يتحمل أى زيادة جديدة فى أعداد المتعطلين خلال السنوات المقبلة».

وأضاف «الفقى» أن «نتائج تطبيق نظام المعاش المبكر فى فترة التسعينات تسببت فى نتائج سيئة، فمن غير المعقول أن ندمر القوة البشرية العاملة ونحولها إلى قوة عاطلة، ماينفعش نقعد العمال على المقاهى».

وحول ظاهرة العمالة الزائدة أو البطالة المقنعة، قال «الفقى» إن «خير مثال لاستغلال الطاقات العاطلة فى الشركات كثيفة العمالة هو ما يقوم بتنفيذه الدكتور أشرف الشرقاوى، وزير قطاع الأعمال العام حالياً، من خلال الاستغلال الأمثل للعمالة»، موضحاً أن «الشرقاوى» قرر إعادة هيكلة العمالة فى الشركات القابضة والتابعة لها عن طريق قيام كل شركة بعمل دراسة احتياجات والحصول على العمالة اللازمة من الشركات الشقيقة أولاً فى حالة وجود فائض لديها من العمال، ومن ثم اللجوء للعمالة الفائضة من الشركات القابضة الأخرى ثم من الخارج.

ورحب ياسر عيسى، المتحدث نيابة عن عمال شركة «النصر لصناعة الكوك»، التابعة للشركة القابضة للصناعات المعدنية، إحدى شركات قطاع الأعمال العام، بإعادة تطبيق نظام المعاش المبكر من جديد، قائلاً: «أنا مستعد أخرج معاش من بكرة الصبح ولكن بشروط».

وأوضح «عيسى» لـ«الوطن» أن عدداً كبيراً من عمال شركة «الكوك» موافقون فى ظل الأوضاع الاقتصادية الحالية على الخروج إلى المعاش بنظام المعاش المبكر بشرط احتساب مكافأة المعاش على أساس آخر مرتب حصلوا عليه فى عدد السنوات المتبقية ليبلغ العامل سن المعاش القانونية، لافتاً إلى أن المكافأة المحتسبة حالياً للخروج إلى المعاش المبكر لا تغطى حاجز الـ58 ألف جنيه فقط، «ودول مايجيبوش حق الكفن دلوقت».

وأكد «عيسى» أن «الخروج بنظام المعاش المبكر بشروط العمال سيوفر على الشركات تكلفة الأجور المرتفعة، خاصة فى الشركات كثيفة العمالة، بالإضافة إلى المزايا العينية الأخرى التى تتكبدها الشركات، مثل بدل الوجبات والأرباح السنوية وغيرها من التكاليف التى تتحملها ميزانيات هذه الشركات».

ورفض جمال عثمان، أحد عمال «شركة طنطا للكتان والزيوت»، التابعة للشركة القابضة للصناعات الكيماوية، إحدى شركات قطاع الأعمال العام، وأحد العمال الذين طبق عليهم نظام المعاش المبكر عام 2005، رفضاً قاطعاً العودة للعمل بنظام المعاش المبكر من جديد. وأرجع «عثمان» الرفض إلى أن «تطبيق النظام فى فترتى التسعينات ومطلع الألفية لم يقدم جديداً للشركات التى طُبق عليها.

وأضاف «عثمان» أن «النتائج كانت سلبية جداً، وهو النموذج الواضح لفشل تطبيق نظام المعاش المبكر على شركات قطاع الأعمال العام، ونحن نعتقد أنه نظام يمثل إغراء كبيراً للعمال المطحونين، غير أن ظاهره الرحمة وباطنه العذاب».

ولفت «عثمان» إلى أن «تطبيق المعاش المبكر فى شركة طنطا للكتان تم على مرحلتين، حيث تم إنهاء خدمة نحو أكثر من ٢٥٠٠ عامل وفقاً لهذا النظام بطريقة تبدو توافقية وبالتراضى التام، ولكن ما حدث خلف الكواليس كان هو اضطهاد وتطفيش العمال حتى يسارعوا هم أنفسهم بطلب الخروج بسبب جحيم المضايقات التى تعرضوا لها»، مؤكداً أنه لو عاد به الزمان إلى عام ٢٠٠٥ أى إلى ما قبل خروجه وفق هذا النظام، فسيكون قراره هو الرفض التام، فقد فرحنا بالفلوس التى أخذناها وقتها، ولكن العمل بالنسبة لعمال مصر يمثل لهم الحياة.


مواضيع متعلقة