هبة عبدالعزيز هبة عبدالعزيز طه حسين والخصومة بين الدين والعلم
الإثنين 30-10-2017 | PM 10:00

«الناس معنيون فى هذه الأيام عندنا بالخصومة بين العلم والدين. والخصومة فى حقيقة الأمر ليست بين العلم والدين، ولا بين الوثنية واليهودية والنصرانية والإسلام، ولا هى بين دين ودين، وإنما هى أعم من ذلك وأيسر، هى بين القديم والجديد، هى بين السكون والحركة، هى بين الجمود والتطور، وإلا فكيف نستطيع أن نفهم أن يلقى سقراط والمسيح ومحمد -عليهما السلام- اضطهاداً من نوع واحد؟ وكيف تستطيع أن تفهم أن يتشابه موقف الوثنية والمسيحية واليهودية على اختلاف الأمكنة والأزمنة وأجيال الناس وطبائع جنسياتهم؟ كيف تستطيع أن تفهم تشابه هذه المواقف جميعاً إذا لم تردها إلى أصل واحد، وهو الخصومة بين القديم والجديد، واستغلال السياسة للخصومة بين القديم والجديد».

إنها ليست كلماتى، ولكنها أحرف من نور لعميد الأدب العربى الدكتور طه حسين الذى مرت علينا ذكرى رحيله الـ٤٤ فى الأيام الماضية، وتحديداً يوم ٢٨ أكتوبر، وسأخبركم أمراً، فكم شعرت بالأسف الشديد على مرور ذكراه الخالدة كمرور الكرام علينا! فلم أرَ من مظاهر الاحتفاء بهذا الحدث الإنسانى التراثى الثقافى ما يُشبع ظمأ فكرى ولا روحى ولا قلبى! لا على مستوى الإعلام المرئى أو المسموع أو المقروء، ولا حتى على مستوى الفعاليات المعتادة كالندوات والأفلام التسجيلية وغيرهما، فى حين أننا كثيراً ما نبالى بأمور ونتوقف عندها، ولربما نكاد أن نقتلها بحثاً فى كثير من الأحيان -كما يقولون- على الرغم من أنها لا تسمن ولا تغنى من جوع، ولا جدوى من ورائها غالباً، بل على العكس تماماً فى كثير من الأمر، حيث نضيّع بها وفيها الكثير من الوقت والجهد! وذلك فى الوقت أيضاً الذى لا نملك فيه ذلك النوع من الرفاهية، ولكنها ليست قضيتنا هنا الآن وفى هذه المساحة تحديداً، والتى راق لى ووددت أن أخصصها اليوم لرجل لم أره فى حياتى ولم ألتق به يوماً فى عالم الواقع، ولكننى كثيراً ما رأيته والتقيت به فى عوالم الفكر والخيال، فكم ارتبطت به وجدانياً وعقلياً، وكم عشقت عقله وطريقة تفكيره ومنهجه الديكارتى فى استخدام الشك لمحاولة الوصول للحقائق النسبية.

ونعود سوياً أو أعود معكم لكلمات «محارب الظلام» الدكتور طه حسين، وهو لقب يروق لى كثيراً أن أنعته به ربما لأنه ينطبق عليه فى جزء كبير من أسلوب حياته (وهو مصطلح استعرته من كتاب رائع للأديب العالمى باولو كويلو حمل نفس الاسم).. تلك الكلمات التى بدأت بها مقالى، واسمحوا لى قبل أن أخوض فيها بعض الشىء أن أوضح لكم، أعزائى الكرام، أن تلك السطور كتبها العظيم طه حسين فى «جريدة السياسة الأسبوعية» فى ٢٧ يوليو ١٩٢٦م، ضمن مقال مطول جداً جاء تحت عنوان «ألاعيب السياسة والخصومة المفتعلة بين العلم والدين»، أعيد نشره بعد نحو ١٠ سنين فى كتاب للدكتور طه بعنوان «من بعيد»، وكان ذلك تحديداً عام ١٩٣٥م، ثم نُشر مرة أخرى فى عام ١٩٥٨م، وأخيراً تم نشره أيضاً فى العام الماضى.

وتأملوا معى فى تلك الكلمات التى كُتبت منذ أكثر من ٩٠ عاماً، وتصوروا ٩٠ عاماً!، وكأنها كُتبت بالأمس لليوم وغداً، فكم مر من الوقت والزمن ولكننا ما زلنا نعيش نفس الأزمة أو نعانى من نفس المشكلة! ويبدو أنها أزمة الصراع الأبدى بين ما هو علمى وما هو أسطورى.

ولن أحدثكم اليوم كثيراً عن طه حسين كرائد للتطور والتقدم بفضل قراءته وترجماته من الثقافة الغربية للعربية، ولا عن طه حسين الذى كان يتبع المنهج الحديث فى مراجعة الموروثات وعقد المقارنات واستخدام الأدلة الاستقرائية التاريخية واللغوية للتحرى والنقد فى التاريخ، كما لن أتحدث عن معاركه الفكرية التى لم تلبث أن تهدأ حتى كانت تعود أكثر حدة، ولا عن وعن وعن... لكنى سأختم مقالى كما بدأته بكلمات وسطور النور من نفس المقال الذى اقتبست منه المقدمة لعميد الأدب العربى الذى كان يبنى المعرفة على قوى النفس الإنسانية المتحررة من كل قيد.

فسلاماً على من قال:

«ينزع السلاح من يد العلم والدين.. وأن تزعم السياسة أن تقف موقف الحيدة من هذين الخصمين، فالعلم فى نفسه لا يريد ولا يستطيع الأذى، والدين فى نفسه لا يريد ولا يستطيع الأذى، ولكن السياسة تريد وتستطيع الأذى غالباً».

تعليقات الفيس بوك

عاجل