د. عماد جاد د. عماد جاد حق النقد والمراجعة
السبت 11-11-2017 | PM 10:01

«التاريخ يكتبه المنتصرون» مقولة صحيحة تماماً، فالمنتصر يجنى ثمار الانتصار مادياً ومعنوياً، والأخيرة من خلال كتابة التاريخ من وجهة نظره، فالمهزوم يُسحق تماماً، والمنتصر يحصل على المكاسب ويكتب التاريخ مثلما يحلو له، وفى هذا السياق تبث أكاذيب وتُطمس حقائق، بل قد يتم عكسها، فالقتّال الأشر يطلق عليه رجل المحبة والسلام، ومضطهد الأقليات والجماعات المختلفة يطلق عليه الزعيم التاريخى، بل قد يصل الأمر بأمة لأن تحسن تاريخ ووجه قتلة مجرمين، بل غزاة محتلين، وكل ذلك نتيجة الخلط بين الشخص والدين، والتعامل مع السياسى على أنه مقدّس، لمجرد أنه رفع راية الدين واستخدمها كأداة للحشد أو وسيلة لجمع الأنصار، هنا تضفى هالة من القداسة على شخصيات تاريخية ارتكبت جرائم ونفّذت مذابح، فكل ذلك يجرى طمسه للحفاظ على هالة القداسة أو الزعامة التى أضفوها على هذه الشخصيات.

وهناك جماعات استخدمت الدين للحشد، وهى فى أعماقها لم تكن مؤمنة، أى كانت أقرب إلى الإلحاد منها إلى الإيمان بعقيدة الجماعة، ولأنها أدركت أن الدين هو الأداة الوحيدة التى يمكن فى حال استخدامها أن تُحقق الهدف المنشود، فقد استخدم قادة ملحدون الدين من أجل الحشد والتعبئة، ولعل تجربة استخدام دافيد بن جوريون للديانة اليهودية، وهو الشخص الملحد، تُعد حالة نموذجية على توظيف الدين من قِبَل شخص غير مؤمن به لتحقيق أهدافه السياسية، وهى تشجيع اليهود على الهجرة إلى فلسطين، فكان استخدام المصطلح التوراتى «أرض الميعاد»، والحديث عن أن اضطهاد اليهود لن يتوقف ما لم يتجمّع اليهود مرة ثانية فى أرض الميعاد.

وسبق أن قلنا إن التاريخ يكتبه المنتصرون، ونقول ويأتى وقت تجرى فيه عملية المراجعة والتصحيح، وذلك من خلال إعادة قراءة التاريخ بعقل متحرّر من القيود، ومن ثم يجرى كشف الحقائق وتقديم التاريخ الحقيقى وتخليصه مما علق به من أساطير وأكاذيب. وفى تقديرى أننا أكثر أمة فى حاجة إلى مراجعة تاريخها وتنقيته مما علق به من أكاذيب، ومما اعتراه من طمس لحقب تاريخية وتشويه لماضٍ قريب وبعيد. والأمم لن تتعلم وتستلهم العظات ما لم تعيد قراءة تاريخها قراءة نقدية وتزيل هالات وضعت على بعض فترات من التاريخ وشخصيات هذه الفترات، نتيجة الخلط المتعمّد بين الدين والتاريخ، فحقب كثيرة من تاريخنا الفرعونى المجيد جرى تشويهها عن عمد، والحقبة القبطية تم إسقاطها من تاريخ بلادنا، وكل ما جاء بعد دخول العرب مصر جرى تمجيده وتجميله، وقد ورث حكامنا هذه العادات غير العلمية، فكان كل حاكم يمحو تاريخ سلفه، ويُمجّد ذاته وهكذا، فضاعت حقائق التاريخ وسط هذا التقليد المستمر حتى اليوم، فقد ظل التلاميذ سنوات طويلة يدرسون الضربة الجوية التى قادها «مبارك» باعتبارها مفتاح النصر فى حرب أكتوبر، ثم جرى شطب «مبارك» والضربة الجوية بعد يناير 2011، وجرى وضع «شباب تمرد» فى مناهج التاريخ، ثم جرى حذفهم وتشويههم بعد ذلك.

لكل ذلك أقول إن التفكير فى إصدار قانون لتجريم المساس بالشخصيات التاريخية خطوة غاية فى الخطورة على تصحيح التاريخ المزيف، وعلى البحث والتفكير والمراجعة، بل ومجرد النقاش، كما أنه يفتح باب النزاع على مصراعيه حول من هى الشخصيات التاريخية المجرّم الاقتراب منها، هل هى كل شخصيات التاريخ المصرى منذ عهد الفراعنة، هل هى شخصيات الحقبة الرومانية، أو اليونانية أو القبطية؟ أم أن المقصود شخصيات ما بعد دخول العرب مصر؟

كفانا تلاعباً بالتاريخ، ولا نريد حجراً على البحث العلمى وحرية الرأى والتعبير وتصحيح المزيف من المرويات التاريخية.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل