إبراهيم السايح إبراهيم السايح حلاوة علف
الأحد 19-11-2017 | PM 10:22

يقال إن مشكلتنا مع الشقيقة إيران أنها دولة شيعية بينما نحن سُنيون، ويقال أيضاًَ إن المشكلة الرئيسية فى خلاف كل الدول العربية عدا سوريا مع السيد حسن نصر الله وحزب الله أن السيد والحزب ينتميان إلى الشيعة بينما كل الوطن العربى من أهل السنة. ويقال على ألسنة ومسئولية إخواننا السلفيين إن الشيعة ليسوا من المسلمين ولكنهم كفار لا دين لهم. ويقال فى النسق الشعبى من العالم الإسلامى إن الشيعة بدعة من البدع، وإن الأصل والفصل والخير والثواب والجنة من نصيب أهل السنة لا يشاركهم فيها أحد. ويرى الضالعون فى الدين من السلفيين وغيرهم أن من حق أى مسلم التصدى للشيعة بكل قوة حتى لو وصل الأمر إلى قتلهم فرادى وجماعات. وحدث بالفعل منذ عدة أعوام أن قرر فريق من سكان أحد الأحياء أو إحدى القرى قتل عدد من السكان الشيعة الذين كانوا يقيمون فى دائرة إخوانهم القتلة، هذا إلى جانب حرص مؤمنين آخرين على حرق منزل أى شخص يصرح بأنه شيعى أو يعتقد الناس أنه كذلك.

لا أعرف على وجه التحديد سبب أو أسباب تكفير الشيعة، ولا أعلم لماذا يحرص السنيون على مناصبتهم العداء وحرقهم أو قتلهم لمن استطاع إلى تلك الجرائم سبيلاً. ولم أتعرض شخصياً لأى احتكاك سلمى أو عدائى فى الشأن الشيعى إلا مرة واحدة حين كان حزب الله يقاتل إسرائيل دفاعاً عن جنوب لبنان، وخلال هذا الصراع كنت أؤدى صلاة الظهر فى جماعة بأحد مساجد الإسكندرية، وفوجئت فى إحدى الركعات بالأخ الإمام يتوقف عن السجود بعد الركوع ويؤدى بصوت جهير مفعم بالحماس دعاءً يشبه دعاء القنوط، ولكنه هذه المرة لا يشتمل على أى شىء سوى استمطار اللعنة على السيد حسن نصر الله والذين معه، ويسأل الله بإخلاص وإلحاح أن يحرق هذا الرجل وأنصاره وأن يذيقهم الذل والهزيمة على أيدى كل الآخرين!! الأكثر عجباً من هذا الدعاء العجيب هو زلزلة المسجد بكلمة «آمين» التى كان يرددها السادة المصلون خلف السيد الإمام فى قوة وإيمان عميقين ويحرص كل منهم على رفع صوته لأقصى درجة ممكنه عساه يصل إلى الله سريعاً فيستجيب لهم ويحرق حسن نصر الله وجيشه!

توقفت منذ ذلك الحين عن الصلاة فى هذا المسجد. ومسجد آخر كان الإمام فيه يؤدى نفس هذا الدعاء فى شتى الصلوات ولكن ضد رجال وأطفال ونساء الدنمارك، ويسأل الله أن يحرقهم جميعاً وأن يرينا فيهم عجائب وعظائم قدرته!!

لا أناقش هنا قضية الشيعة لأننى لا أفهمها ولأننى أصلاً لست فقيهاً فى الدين ولا فى أى شىء آخر، ولكننى فقط أسأل إخواننا المصريين السنيين عن مدى اتساق مصر تجاه ظاهرة هى حصنها الحصين:

هل كان النبى (صلى الله عليه وسلم) يحتفل بعيد ميلاده؟ وهل ثمة شىء فى القرآن أو الأحاديث اسمه موسم مولد النبى؟ وهل قال لنا الله أو رسوله أن نصنع مئات الآلاف من جرادل الشربات ونوزعها على المارة فى الشوارع فى الثانى عشر من شهر ربيع الأول من كل عام؟

وهل هناك آية أو سورة أو حديث أو منطق فى حرص الشعب المصرى الإسلامى السنى على صناعة العاشورة وأكلها بمناسبة يوم عاشوراء؟ وهل الاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج يتطلب استهلاك آلاف الأطنان من الحلاوة البيضاء والصفراء والحمراء والعلف، فضلاً عن طبخ القلقاس والبط والفطير وغير ذلك من أطعمة المواسم؟

وإن كانت كل كتب الدين وكتب التاريخ الإسلامى تؤكد أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) نهى فى خطبة الوداع عن إقامة الأضرحة فى المساجد، فهل يجوز لإخواننا أتباع السنة والأوصياء عليها أن يمعنوا فى مخالفة هذا الكلام فلا يكتفوا فقط بدفن أشخاص فى المساجد ولكن يقيمون لهم أيضاً موالد سنوية تحتشد فيها كل الموبقات التى يرقى بعضها لدرجة الكفر والإلحاد والإجرام والسفالة؟ وفى باقى شهور السنة قبل وبعد المولد يذهب مئات الآلاف من البشر إلى كل مسجد من مساجد الأضرحة ويتضرعون إلى المدفون فيها أن يقضى حوائجهم، ومنهم أشخاص ذوو مراكز مرموقة ووظائف سيادية!!

وفى عصر الموبايلات يحرص كثيرون من إخواننا أهل السنة على الكول تون الإسلامية، فترى بعضهم يضع الأذان مكان الجرس، وبعضهم يضع الدعاء، وبعضهم يضع آيات من القرآن نفسه، وبعضهم يضع أغانى وأناشيد دينية (إلخ)، وأعرف على المستوى الشخصى رجالاً ونساءً من الضالعين فى كل ألوان المجون، ولكن تليفون كل منهم تتصدره كلمة «الله» ثم شهادة أن «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، ثم مجموعة من الآيات والأحاديث، ثم تدخل بعد ذلك فى فيديوهات ومقاطع وأفلام جنسية، وتعليقات فى غاية البذاءة، فضلاً عن الاستخدام الشخصى للموبايل فى «العلاقات الشمال» بين صاحبه وأخريات أو بين صاحبته وآخرين!

لا أطالب فى هذا السياق بفرض الوصاية على الناس، لكننى أتساءل فقط عن جدوى مناصبة الآخرين العداء بينما نحن أسوأ منهم، وعن أسباب اتهامنا لغيرنا بالكفر أو الشرك أو اتباع البدع بينما نحن نرتكب جرائم أسوأ من هذه الآفات ونكرس بدعاً ما أنزل الله بها من سلطان.

أعلم أن معظم المصريين محللون استراتيجيون وخبراء فى الشأن السياسى والاقتصادى والدينى والكروى، لكننى ما زلت لا أفهم من أحدهم سبب العداء بين مصر وإيران، وبين مصر وحزب الله، وبين دول الخليج وإيران. وبيننا وبين تركيا، حتى ما يتعلق بقطر أراه صالحاً للمناقشة إذا أخذنا هذه الدويلة «على قد عقلها» وحاولنا التفاهم معها دون عدوانية ودون فائز ومهزوم. كل أزمات الشرق الأوسط يمكن التعامل معها إيجابياً لو تخلى كل طرف عن العنصرية وعن غرور القوة وعن العزة بالإثم. لو جمع العرب والأتراك والإيرانيون نقاط التلاقى وتخلوا عن خلافاتهم القديمة أو الحديثة وعقدوا مؤتمراً موسعاً يشملهم جميعاً وتركوا الأديان والمذاهب وصراعات الزعامة خلف ظهورهم فإنهم سوف يتحولون فى سنوات قليلة إلى قوة عظمى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وثقافياً وعلمياً، أما لو استمروا على هذا الحال فإن المستقبل يحمل لهم مصير الهنود الحمر، ومصير ضحايا الحروب الأهلية، وسوف يضعهم العالم من جديد تحت الوصاية إلى أن يبلغوا سن الرشد، ولن يبلغوها!

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل