إبراهيم السايح إبراهيم السايح «توكتوكيزم»
الأحد 10-12-2017 | PM 10:01

اخترع الإغريق الديمقراطية فى القرن الخامس قبل الميلاد، ووضع أرسطو قواعد علم السياسة فى القرن الرابع قبل الميلاد، وعرف العالم بعد ذلك العديد من النظريات والنظم السياسية مثل الاشتراكية والرأسمالية والليبرالية والثيوقراطية والفاشية والنازية والشيوعية والدكتاتورية والجمهورية والملكية والإمبراطورية (إلخ.. إلخ).

لم يتخلف العرب عن ركب العلوم السياسية، كما قد يتخيل البعض، فقد اخترعوا نظام المكاربة فى اليمن السعيد، واخترعوا شيوخ القبائل، واخترعوا أمراء الملل والطوائف، واخترعوا نظام الخلافة الراشدة والخلافة غير الراشدة والخلافة التعسفية والخلافة البزرميط وولاية الأسير وولاية الكفيف وولاية الغائب، فضلاً عن نظام الملالى فى بلدان إخواننا ذوى الأصل الفارسى ونظام العواقل فى القبائل الصحرواية ونظام السلاطين لدى إخواننا الأتراك ونظام الأباطرة آكلى لحوم البشر عند إخواننا الأفارقة.

ولم يكن لمصر -وهى أم الدنيا- أن تتخلف عن ركب الاختراعات والنظم السياسية فى كل مراحل التاريخ. فى البداية اخترع المصريون التحالف المقدس بين الكهنة والملوك، وظلت مصر خاضعة تماماً لهذا التحالف طوال عمرها الفرعونى الذى يقدّره العلماء بخمسة آلاف سنة. ثم فتحت البلاد أبوابها بعد ذلك لكل أنواع الغزاة، بمن فيهم العبيد وأسرى الحرب الذين حكموها تحت اسم دولة المماليك، ويقال إن مصر لم تفتح أبوابها للغزاة لأنها كانت لا مؤاخذة ضعيفة، ولكن لأنها أم الدنيا، وكل هؤلاء الغزاة أبناؤها، فكيف تحارب الأم أولادها أو تطردهم؟!

لم تلتزم مصر طوال تاريخها بقواعد أى نظام سياسى لأنها دولة ذات طبيعة خاصة، وكلما طالب المصريون أو حتى الأجانب بأية حقوق سياسية أو اجتماعية أو ثقافية تشمل كل فئات الشعب بالعدل والمساواة، يقول أصحاب الشأن إن «خصوصية مصر» تمنع العمل السياسى الحقيقى وتمنع العدالة الحقيقية وتمنع التعليم الحقيقى وتمنع تكافؤ الفرص الحقيقى وتمنع الديمقراطية الحقيقية وتمنع الاشتراكية الحقيقية وتمنع الليبرالية الحقيقية (إلخ)!

الآن، وبصرف النظر عن كل ما تقدم، يعيش المصريون والعرب لحظة مخاض حقيقى لنظرية أو مذهب سياسى جديد يمكن أن نقدمه لعلم السياسة تحت اسم «التوكتوكيزم»، حيث يتم نحت الكلمات الإنجليزية والفرنسية الخاصة بمصطلحات النظريات السياسية بهذه الصورة مثلما الحال فى «سوشياليزم» «وكابيتاليزم» وغيرها، ولا بأس أن نتخلى عن الشكل العربى للمصطلح الجديد ونقدمه للعالم فى الصورة التى اعتاد عليها.

أما عن مضمون هذه النظرية الجديدة فيمكنك أن تراه بنفسك فى أى شىء يحدث فى مصر والعالم العربى هذه الأيام وما قبلها. انظر -مثلاً- إلى الحزن العربى العميق بسبب نقل سفارة الولايات المتحدة الأمريكية إلى مدينة القدس والاعتراف بها عاصمة لدولة إسرائيل! هؤلاء العرب الثكالى هم الذين دمروا أربع دول عربية حرة ومستقلة وكادوا يدفعون بها وبشعوبها إلى الإبادة الجماعية نتيجة التمويل الخليجى لعصابات الإرهاب فى سوريا وليبيا والعراق واليمن، وكانت معهم مصر وتونس والبحرين عند بداية العمليات. هؤلاء العرب الثكالى منحوا الولايات المتحدة ورئيسها البلطجى كل ما طلبته من أموال على سبيل الابتزاز وكل ما طلبته من نفوذ على سبيل السيادة. هؤلاء العرب الثكالى هم الذين أضاعوا فلسطين بتخلفهم وخلافاتهم وعشقهم للسلطة والمال والنساء والعبيد والجوارى والمنظرة والكلام الفارغ والوجوه الكالحة الكاذبة التى يظهرون بها فى كل المؤتمرات وكل المناسبات. هؤلاء العرب الثكالى هم الذين زرعوا الألغام البشرية والطائفية والعنصرية فى كل شبر من هذا الوطن، وهم الذين دفعوا بواقى شعب فلسطين نفسه إلى التشرذم بين فتح وحماس وبين السنة والشيعة وبين النضال والعمالة!

لا يوجد فى العالم كله إقليم جغرافى واحد يعيش سكانه كل هذا القدر من التشرذم والتعصب والحماقة والسفاهة والمؤمرات والضغائن.

كل يوم وكل ليلة تسمع وتشاهد وتقرأ تحليلات تقول لك كيف تعمل إيران على إشعال المنطقة، وكيف تعمل تركيا على تدمير المنطقة، وكيف يحاول حزب الله تفجير المنطقة، وكيف تتآمر قطر ضد كل شرفاء المنطقة، وكيف يصر الحوثيون على ضياع المنطقة، وكيف تشارك السودان فى إرهاب المنطقة، وكيف دخلت الحبشة التحالف الصهيونى لإبادة المنطقة، وكيف تستعد «داعش» لاحتلال المنطقة، وكيف تدبر قطر لحكم المنطقة، وكيف قررت إسرائيل السطو على المنطقة وكيف تفرغت الولايات المتحدة لمحو المنطقة (إلخ).

ما يحدث فى الشرق الأوسط يشبه «التوكتوك» وسائقه وركابه وكل ما يتعلق به. هذا التوكتوك صار الآن دولة مستقلة يعيش فيها البلطجية واللصوص والصيّع والمدمنون وتجار الصنف الصغار والهاربون من الأحكام والمتحرشون بالنساء وشبكات الدعارة وشبكات سرقة السيارات وعصابات خطف الأطفال والنساء وكل أنواع البشر الساقط والضائع. يسير هذا التوكتوك فى أى اتجاه ويقف فى أى مكان ولا شأن له بأى قانون أو أى عرف أو أى نظام. سائق التوكتوك غالباً ما يكون طفلاً أو غلاماً بلطجياً أو أحد الهاربين من الأحكام القضائية وإن كان غير ذلك يتعرض فى أحوال كثيرة للقتل على أيدى لصوص يرغبون فى سرقة التوكتوك الذى يملكه أو يقوده. وفى داخل هذه التكاتك تستمع إلى أكثر الأغانى انحاطاً وقرفاً، ولا يمكنك بالطبع الاعتراض على أى شىء لأنك إما من نفس نوعية صاحب التوكتوك أو مجرد شخص بائس ألقت بك أقدارك إلى هذا المصير.

عالم التوكتوك يشبه كل شىء يحدث فى عالم السياسة بالشرق الأوسط والعالم العربى. لا نظام ولا منطق ولا شكل ولا جوهر لأى شىء. كلام بلا معنى وتاريخ مزور وأمجاد كاذبة وابتسامات تختفى وراءها الضغائن وأحضان تنتهى بخناجر فى ظهور الطرفين! لا بأس إذن من اختراع نظرية سياسية جديدة نطلق عليها اسم «التوكتوكيزم» ونصدرها لكل دول العالم ولكل الكليات والمعاهد التى يتخصص طلابها فى العلوم السياسية.

ولا بأس أيضاً أن نضيف لهذه النظرية تساؤلاً فى غاية الأهمية حول سبب ظهور كل الأنبياء أولى العزم فى هذه المنطقة ونزول كل رسالات السماء فيها رغم أن شعوبها وحكامها يتنافسون فى الحماقة والغباء والتخلف، لماذا لم يرسل الله أنبياء إلى الدانمارك والسويد والنرويج وسويسرا وغرب أوروبا؟ وهل نحن بالفعل «خير أمة أخرجت للناس» أم أن الله يقصد قوماً آخرين؟

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل