خالد منتصر خالد منتصر تشككوا تصحوا (2)
الأربعاء 10-01-2018 | PM 10:04

تأليف كتاب عن ضرورة الشك هو خوض فى حقل ألغام، فالإنسان دائماً يركن إلى اليقين اللذيذ المريح المدغدغ للحواس، الشك عمل مزعج وفعل مقلق، من هنا كانت صعوبة أن يكتب «هاريسون» كتابه، والصعوبة الأكبر أن يقتنع القارئ الكسول المرتاح المترهل من كثرة الاستسلام للبديهيات، الإنسان صاحب الفكر «الكنباوى» الذى لا يتحرك من كنبته إلا لينتقل إلى كنبة أخرى، ربما نكون قد غادرنا العصر الحجرى جسداً لكننا لم نغادره روحاً وفكراً، تفكير ما قبل التاريخ ما زال بصحة جيدة، وما زالت لياقته بخير، فنحن ما زلنا نصدق فى السحر والأعمال السفلية والرقية الشرعية والأشباح والعفاريت.. إلخ، ومع كل هذا التقدم العلمى وبرغم كل أفضال ونعم العلم التى نعيش فيها والتى تسهم فى رفاهيتنا، ما زلنا لم نسأل أنفسنا سؤالاً سهلاً جداً بل ساذجاً جداً والمصيبة أننا نتهرب من إجابته، السؤال هو: ماذا أفاد الدنيا والعالم الطب البديل وعلاجات الطاقة والأشكال الهندسية والرقية الشرعية والطب الدينى وحبة البركة والبردقوش وبول الإبل والمياه المقدسة.. إلخ؟، هل تلك الممارسات هى التى أفادت وأنقذت البشرية أم الطب القائم على الدليل؟، هل الطب البديل هو الذى أنقذ شرايين قلبك بالقسطرة؟، هل الرقية الشرعية وبول الإبل والطاقة هى التى اخترعت السوفالدى ولقاحات شلل الأطفال وحقن الأنسولين وقضت على الجدرى والطاعون واخترعت البنسلين والفياجرا؟!، الكارثة أن تكون تلك البصمات العلمية الواضحة مطبوعة على كل خلية فيك وأنت ما زلت تحتمى بالسحر والخرافة، ولا تشك مجرد شك فى جدوى ونفع تلك الأشياء، بل المصيبة أنك تهرول إليها، يصف «هاريسون» الشك بأنه غذاء الدماغ المثالى، يزيل كوليسترول الخرافة، الشك يحررنا بحيث نكرس أنفسنا لأشياء حقيقية وأناس حقيقيين، لكنه ينصحنا بالرفق مع الجهلة المؤمنين بتلك الخرافات والمقاومين للشك، لا تغضب من مريض السرطان بل اغضب من السرطان نفسه، من الفكرة ذاتها لا ممن يؤمن بها، نصيحتى إذا كنت مراهقاً لا تقبل أن تكون روبوتاً مبرمجاً من قبل الكبار، فى حيازتك دماغ قوى ومن الممكن والعادى جداً أن يكون هؤلاء الكبار على خطأ، وإذا كنت قد تجاوزت تلك المرحلة، فلا تعتقد أنه قد فات أوان التشكك وتغيير طريقة تفكيرك المستسلمة الخانعة الخاضعة، فالأكثر أهمية من احترام الكبير والأستاذ هو احترام الذات، الاحترام الأول مطلوب لكن الاحترام الثانى مطلوب أكثر، فهو فرض عين، جرب الشك ولو فى السر، ولو بينك وبين نفسك، فهذا أفضل من أن تعيش عمرك بلا لحظة شك أو دون عرض ما يطلق عليه ثوابت وبديهيات على طاولة التشريح والبحث والسؤال، حاول بقصارى جهدك ألا تضيع دقيقة واحدة من عمرك على أكاذيب وخرافات لا عقلانية، بلغة العامية المصرية «ماتهزأش عقلك»، لم يعد هناك وقت ولم نعد نتحمل رفاهية الانتظار على شاطئ الخرافة، بالتأكيد فى رحلة شكك ستتعثر وتؤمن بقليل من الأشياء الغبية على طول الطريق، هذا أمر لا مفر منه، ونحن جميعاً نقع فيه، لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، ليست هناك مشكلة فى أن توجد أوهام وليس معنى أن تكون متشككاً أن تصبح خصماً للخيال، بالطبع لا، إنما هناك مشكلة أن أروِّج وأعمل دعاية للمزور والزائف على أنه حقيقى، المهم أن تكون لدى الرؤية والبصيرة أن أحدد الخط الفاصل أين يبدأ هذا وأين ينتهى ذاك؟، لا بد أن تواجه نفسك بجدية إلى من سأنتمى؟، إلى معسكر العلم أم الخرافة؟، إلى علم الفلك أم التنجيم؟، إلى الطب القائم على الدليل أم الطب البديل؟، إجابتك ستحدد مستقبلك.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل