د. محمود خليل د. محمود خليل «المنظّراتية».. والشبع بـ«النظر»
الجمعة 12-01-2018 | PM 10:09

بعض المنظّراتية، من أصحاب الياقات المنشيّة، العاملين الحاليين أو السابقين ببعض المؤسسات الرسمية، يتهمون أغلب الشعب المصرى بأن «همّه على بطنه»، وذلك فى سياق تعليقهم على حالة اللا مبالاة التى يتعامل بها البعض مع الإنجازات التى تتم على الأرض. أفهم أن يدافعوا عن الإنجازات فى حد ذاتها وأن يوضحوا أهميتها بالنسبة لحاضر الناس ومستقبلهم، ولكن أن يسخروا من مواطنين يُحيّرهم سؤال المعيشة وتكاليف المعيشة أكثر مما يُحيّرهم الالتفات إلى الإنجازات فذلك ما لا أفهمه.

لو كان أحد هؤلاء «المنظّراتية» يعيش ما يعيشه المواطن العادى من حيرة وهو يفكر فى كيفية تدبير احتياجاته واحتياجات أسرته اليومية لما قال مثل هذا الكلام، ولفعل ما يفعله المواطن. ذوو الياقات المنشيّة من المخمليين الذين تعوّدوا على حياة «الفندقة» بكل معانى وظلال هذه الكلمة متسقون مع أنفسهم؛ فالراحة تدعو إلى النظر والتأمل فى «الإنجازات»، والمنفعة أيضاً قد تدعو إلى ذلك!. المواطن غير الملتفت هو الآخر متسق مع نفسه، فليس من المنطق أن تطلب من إنسان معدته خاوية أن ينظر إلى لوحة برّاقة لمائدة عامرة متخمة بشتى أنواع الطعام والشراب لأن ذلك كفيل بإشباعه!. الجائع الذى يتأمل صورة لمائدة متخمة لن يشبع بالنظر، ووعده بأنه سيجد مثل هذه المائدة بما عليها شاخصة أمامه فى المستقبل لن يصرف عنه ألم الجوع الذى يشعر به حالياً.

من الممكن أن يلتفت المواطن البسيط اللائم إلى الإنجازات إذا أحسّ أنها تسهم فى تحسين مستوى معيشته ولو بشكل طفيف، وإذا لم يشعر بذلك فاللوم ليس على المواطن، بل على مجموعة «المنظّراتية» الذين يكتفون بسرد أرقام مجردة، وعبارات مطاطة، وأحاديث دعائية، ولجوؤهم إلى هذا الأسلوب يعنى -بلا مواربة- عدم وجود معلومات متكاملة لديهم تمكّنهم من تقديم شرح مقنع للناس بقيمتها. اللوم على «المنظّراتية» وليس على المواطن. المواطن طبيعى جداً، فعقله متصل بمعدته، وهو لا يختلف فى ذلك عمن ينظّرون له، فعقولهم أيضاً متصلة بمعداتهم وأمعائهم بل وجيوبهم أيضاً. والموضوعية أن نعذر الخاوى عندما يصرخ، ونتفهم الممتلئ عندما ينظّر. التوازن مطلوب، قد يكون من المفيد أن نتأمل وجهة نظر المواطن الذى يريد خبز يومه، بالإضافة إلى العمل لمستقبله. العلاقة بين «اليوم والغد» علاقة أساسية، فلا يوم بلا غد، ولا غد بلا يوم يسبقه. ولا حاضر بلا مستقبل، ولا مستقبل بلا حاضر. بدلاً من الاستعلاء الذى يمارسه «المنظّراتية» على المواطنين العاديين، أوْلى بهم أن يتفهّموا ويعذروا، دون سخرية منهم ووصفهم بأن «همّهم على بطنهم».

لا أجد صورة فنية تعبّر عن حال «المنظّراتية» أكثر إبداعاً من مشهد من مشاهد مسرحية «وجهة نظر» لمحمد صبحى، يظهر فيه الشيخ عبدالبارى وهو يعظ مَن حوله قائلاً: «المال فتنة.. النساء فتنة.. الطعام فتنة»، وما إن يصل إلى عبارة «الطعام فتنة» حتى يدقّ جرس الطعام، فيصرخ قائلاً: «موعد الطعام.. أفسحوا الطريق»!.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل