أحمد المسلمانى أحمد المسلمانى النيوأوراسيّة.. جانب من الفكر السياسي في روسيا
السبت 13-01-2018 | PM 09:59

مرّت روسيا الحديثة بأربع نظريات للسياسة والسلطة: "القيصرية" ثم "الشيوعية" ثم "الليبرالية".. ثم ما بعد الليبرالية.. يقول البعض إنها الليبرالية الوطنية.. ويقول آخرون إنها البوتينية.. ويقول بعض الفلاسفة الجدد.. إنها "الأوراسيّة".

امتدّت الحقبة الملكية من "القيصرية" إلى "الإمبراطورية".. ثم سقط النظام الملكي في ثورة 1917.. لينتهي عصرٌ كامل.. وليبدأ زمنٌ جديدٌ في روسيا والعالم.

في عام 1917 بدأت روسيا الشيوعية أو الاتحاد السوفيتي.. وأصبح اليسار الاشتراكي نصف العالم أو يزيد.. وتوالتْ الرؤى.. من اللينينية إلى الستالينية ثم إلى التجديد الخروشوفي.. ثم إلى الثبات البريجينيفي.. وصولاً إلى قصص قصيرة في عهد أندروبوف وتشيرنينكو.. حتى رواية السقوط الكبرى.. في عصر ميخائيل جورباتشوف.

وفي عام 1991 سقط الاتحاد السوفيتي.. وبدأت حقبة جديدة من الانهيار.. كان عنوانها بوريس يلتسين.. وكانت تلك واحدة من أسوأ النماذج الليبرالية في التاريخ. سقط يلتسين لتحيا روسيا.. وجاء بوتين لتعود روسيا قوة عظمى من جديد. تحتاج القوة العظمى الجديدة إلى نظرية. إنها ليست "قيصرية" ولا هى شيوعية.. كما أنها ليست ليبرالية.. ما هى النظرية السياسية التي تحكم روسيا الجديدة إذن؟

قدّم "ألكسندر دوجين" أحد فلاسفة السياسة الجُدد في روسيا.. نظريته التي باتت واحدة من أهم نظريات النخبة في موسكو.. إنها "الأوراسية" أو "النيوأوراسية". تشير الأوراسية إلى تحالف روسيا وآسيا.. وهى بديل الإمبراطورية.. أو هى "النيوإمبراطورية".

يرى تيار "الأوراسية" أن روسيا لا يمكن أن تكون دولة.. ذلك أنها "إمبراطورية" بالطبع وبالتاريخ. وإذا كانت رؤية الرئيس الأمريكي ترامب.. وهى أساس حملته الرئاسية وقيادته البيت الأبيض هى "أمريكا للأمريكيين".. إذن فإنه أيضًا "الصين للصينيين" و"اليابان لليابانيين" وكذلك "أوراسيا للأوراسيين".

لكن رؤية التيار الأوراسي ليست بهذه البساطة.. إنه يريد تفكيك أوروبا.. وشغل أمريكا.. حتى يتسنى له بناء ذلك الفضاء الجيوسياسي الضخم الممتدّ من الشرق إلى الشرق.. من شرق آسيا إلى شرق أوروبا.

ويهدف "الأوراسيون الجدد" في روسيا إلى دعم اليمين المتطرف في أوروبا.. سياسيًا وفكريًا من أجل الوصول للسلطة. وذلك يكفي لتفكيك أوروبا بأيدي أوروبا.. وقتها تكون أوروبا للأوروبيين.. فرنسا للفرنسيين وهولندا للهولنديين.. إيطاليا للطليان وألمانيا للألمان.. لا اتحاد أوروبي إذن ولا بروكسل بعد اليوم!

إن من شأن تفكك الاتحاد الأوروبي أن يدفع إلى تفكك أو ضعف الناتو.. وحينئذ تصبح الأوراسية في وضع المنتصر.. وهو انتصار يشبه عنوان كتاب ريتشارد نيكسون الشهير "نصر بلا حرب".

يذهب "الأوراسيون" أيضًا إلى العمل ضد العقل الفلسفي الغربي.. ضد النظريات الفكرية التي انطلقت من الغرب وسادت العالم.. وحسب "دوجين" في كتابه "مذاهب ما بعد الفلسفة".. فإنه يجب العمل ضد التشكيلات الفكرية الثلاثة: ما قبل الحداثة، والحداثة، وما بعد الحداثة. ويجب بناءً على ذلك تأسيس النظرية الرابعة.. وهى تنهض على مفاهيم علم الجغرافيا السياسية.

كانت النظرية الشيوعية ترى أن الصراع العالمي هو صراع طبقات، وكانت تصف "الجيوبوليتيكس" بأنها علم زائف.. لكن الأوراسية راحت تؤمن بالجغرافيا السياسية.. إلى الحدّ الذي يمكن القول معه أنها تكاد لا تؤمن إلاّ به.

من المثير في الفكرة الأوراسية.. أنها ترى وجوب التعاون مع العالم الإسلامي ضد الغرب.. ذلك أنهما معًا يجمعهما العداء للغرب.. ولا يحتاج طرف لإقناع الآخر بالعداء.. وعلى ذلك يتواصل دعاة النظرية على نحو دائم ووثيق بكل من تركيا وإيران.

إن "الأوراسية" أو "النيوأوراسية".. تقف ضد دعاة "الترويس".. أى "روسيا فقط" وضد دعاة "التغريب".. أى "أوربة أو أمركة روسيا".. وترى أن "القومية الروسية" خطأ، كما أن "التغريب" خطأ.. والحل هو الإمبراطورية الأوراسية.

يصف خصوم "النيوأوراسية" بأنها "النيوفاشية".. ويتهم غربيون "ألكسندر دوجين" بالدعوة لارتكاب جرائم إبادة جماعية في أوكرانيا. لكن مراكز تفكير عديدة في الغرب باتت تأخذ أفكار دوجين ونظرية "النيوأوراسية" على محمل الجدّ.. ذلك أنها تلقي تأييدًا واسعًا داخل النخبة الروسية.. كما أنها – حسب الغرب – تروق للرئيس بوتين الذي يتواصل مستشاروه دومًا مع فلاسفة الفكرة.. وقادتها.

هل يمكن التفكير في سياق كهذا.. "العروبة الجديدة".. "النيوقومية". إن مصر لم تعش معظم تاريخها كدولة.. وإنما عاشت كدولة إمبراطورية.. ولطالما قادت محيطها إلى الأقوى والأفضل.. هل يمكننا صيانة نظرية سياسية جديدة؟.. تأسيس فضاء عربي جديد.. ليس ناصريًا ولا بعثيًا.. كومنوولث عربي بقيادة مصرية؟.هذه بداية مقال قادم.

حفظ الله الجيش.. حفظ الله مصر

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل