فاطمة ناعوت فاطمة ناعوت نوستالجيا رمضان القديم
الخميس 26-07-2012 | AM 09:26

يأتى شهرُ رمضان؛ فلا يشبه أىَّ شهر آخر يمرُّ على مصر. ولا يشبهه أىُّ رمضان آخر يجولُ فى العالم. يتفق المسلمون، وغيرُ المسلمين، على أن لرمضانَ فى مصرَ طعماً مميزاً، ونكهةً لا مثيلَ لها فى أية دولة آخرى. ما السبب؟ إنه سرّ المصريين الخاص، منذ آلاف السنين، قبل نزول الرسالات. تعويذةٌ تصبغُ الأشياءَ بلون مصر، وتسبغُ على الأيام طعمَ النيل. إنها فرادةُ المصريين فى صناعة الفرح، وامتلاكهم مَلَكةَ «الاحتفال». المناسباتُ الدينية لدينا هى مناسبةٌ للحياة. فتلتقى السماءُ والأرضُ فى قطعة موسيقية بديعة، ليست تشبه المقطوعاتِ السماويةَ الخالصة، ولا المعزوفات الأرضية الخالصة. مزيجٌ فريد. فقط فى مصرَ، يأتيك من السماء، صوتُ سيد النقشبندى عند الفجر يشدو: «قلْ ادعُ اللهَ، أو ادعُ الرحمنَ، أيّاً ما تدعوه فله الأسماءُ الحُسنى»، ثم يأتيك عند المغرب شجوُ محمد رفعت مؤذّناً؛ فلا تُخطئُ صوتَه بين ألف صوت عداه. تخرج، فتجد الشوارعَ غارقةً فى اللون والضوء والصَّخب. فكأنك فى عيد قوامُه ثلاثون ليلةً متّصلات، ليغدو أطولَ عيد فى التاريخ. الناسُ فى بلادى ساهرون لا يعرفون النومَ فى ليالى رمضان. يتجاوزون الفجرَ، وينتظرون حتى ينسلَّ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسود. هو الشهرُ الذى لن تميّز فيه المسلمَ من المسيحىّ؛ فالكلُّ يحتفل؛ كأنه شهرٌ مصرىٌّ، وليس دينيّاً وحسب. المسيحىُّ يصوم مع المسلم؛ لأنه يؤمن أنه لا يليق أن يشبع وأخوه جائع. وإن باغته أذانُ المغرب وهو فى الطريق، سيجد الصِّبيةَ والصبايا يستوقفونه مبتسمين يلوّحون له بالخير. يفتح زجاج سيارته ويتناول كأسَ العصير وحبّاتِ البلح لكى «يكسر صيامه». فإن قال لهم إنه مسيحىّ، قد يُفاجأ بأغرب ردٍّ فى الوجود: «ونحن أيضاً، كل سنة وأنت طيب!» يحدث فقط فى مصر أن يقفَ شبابٌ مسيحيّون ليسقوا مسلمين صائمين، زارهم المغربُ وهم خارج بيوتهم. ونحن صغار، كنا نجمع قروشنا النحيلة لنشترى الورقَ الملوّن والصمغ ونسهر مع أطفال الحىّ لنصنع زينة رمضان والفانوس الكبير الذى سيُعلّق فى منتصف الشارع. يتبارى أطفالُ كل شارع ليكون فانوسُهم أكبرَ، وزينتُهم أكثرَ أناقة وأكثفَ لوناً. لم ننتبه، إلا حين كبرنا، أن نصفَ أطفال شارعنا من صانعى زينة رمضان كانوا مسيحيين. رمضانُ شهرُ الجميع، وبهجةُ الجميع، وصلاةُ الجميع لإله واحد مالكِ هذا الكون الشاسع نعبده جميعاً، كلٌّ عبر رؤيته، ونحبُّه جميعاً، كما أحبَّنا وخلقنا وجعلنا شعوباً وقبائلَ لنتعارفَ ونتحابّ ونتآخى. لا أعرفُ ماذا يعمل أطفالُ هذه الأيام فى رمضان، لكننى أعرفُ أن دمَ المصريين الواحد، وعِرقنا العريقَ الواحد، ونسيجَنا الصافىَ الواحد، لن يعبثَ به العابثون. كل سنة وأنتم طيبون. كلُّ سنة ومصرُ مصرُ.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عماد الدين أديب

عماد الدين أديب

أيام حاسمة مقبلة

د. ناجح إبراهيم

د. ناجح إبراهيم

رسائل الرسول «sms»

عاجل