مصطفى محمد مصطفى محمد الغرفة 103
04:43 م | الخميس 05 أبريل 2018

شارع مظلم تتوسطه بعض الأضواء الخافتة التي تأتي من انعكاسات مياه النهر المطل عليه في باريس، وعلى أحد ضفتيه يقبع فندق "الحظ السعيد"، ولم يكن أحد يعلم هذا الفندق كثيرا، إلا أنه مؤخرًا بات اسمه على ألسنة قاطني المنطقة.

"فلان يدخل ولا يخرج، وهذا يجري هلعًا، وذاك يلقي بنفسه في مياه النهر منتحرًا، لينقذ نفسه مما رآه".. أسطورة انتشرت في الماضي عن "الغرفة 103" في هذا الفندق، ففي البداية لم أكن أصدق كل ما يقال، وقررت اكتشاف لغز الغرفة بنفسي.

أنا أحمد في أواخر العشرينيات خضت الكثير من المغامرات، وواجهت عددًا لا بأس به من المصاعب، كما أنني أقرأ كثيرا عن الجن والعفاريت وخضت مواجهتين من قبل مع الجني "شهبار"، والعفريت "شبانة"، كما أنني أهوى هذا النوع من المغامرات المرعبة والمثيرة.

أعرف أنني لست خبيرًا في التعامل مع هذا العالم السحري، لكني متسلحٌ ببعض الكلمات والتعاويذ والطلاسم التي تجعلني على أرض صلبة، فقررت خوض التجربة وكشف لغز هذه الغرفة.

جهزت نفسي، واتجهت إلى المطار وفي الصالة الرئيسية التي تعج بالبشر، يأتي هذا الصوت من المذياع معلنا، أن الطائرة المتجهة إلى فرنسا ستقلع بعد 15 دقيقة، صعدت إلى متن الطائرة وفي يدي كتابين قديمين عن السحر والتعاويذ، وأقلعت الطائرة وقلبي خفق معها، وضرباته بدأت تزداد، لدرجة جعلتني أتخيل أن نبضي هو الصوت الوحيد على متن الطائرة.

قرأت الكتابين وبحثت عن معلومات عن الفندق، وبعدها بلحظات هبطت الطائرة في مطار شارل ديجول، وأخذت سيارة استأجرتها واتجهت بها إلى هذا الفندق، وصلت والشمس ترسل أشعتها وتنير المكان كله، وتملأه بالدفء.

تعجبت من الكلام الذي كنت أسمعه عنه، والسمعة التي اكتسبها الفندق في الآونة الأخيرة، رتبت أغراضي في الغرفة 101 المواجهة لـ"103"، "أسطورة رعب باريس"، وأنا متأهب لتلك المغامرة التي لا أعلم كيف ستبدأ؟!! وكيف تنتهي؟!! وشعور بالحماسة، دخلت إلى سريري لأنام وارتاح من السفر الطويل، ولا أدري هل سأنام في الساعات المقبلة أم ماذا سيحدث؟!

7 ساعات متواصلة من النوم الهادئ العميق، جعلتني أشك في أن هناك ما سيعكر صفوي أو يدعو إلى القلق، فارتديت ملابسي وفوقها معطف ثقيل، وفي يدي شمسية، وعقارب الساعة تشير إلى الثامن مساءً، والسماء تمطر، وكأن السحب تصفي كل ما فيها، مشيت قليلًا على النهر الموجود بجوار الفندق إلى أن سارت الثانية عشرة، فقررت العودة.

شارع طويل ومظلم، لا ينيره سوى ومضات البرق التي تضرب هنا وهناك، وصوت رعد يبث في قلوب المارين بالشارع الرعب، وبضعة أشخاص يجرون بسرعة يحتمون في "تندات" المحال وتحت البلكونات.. دخلت من الباب الفندق القابع كبيت الأشباح في الظلام الدامس، لا ينيره إلا شمع متفرق على مسافات.

صعدت إلى باب غرفتي، ووضعت المفتاح في الباب، لكني سمعت طرقا على باب الغرفة المواجهة، نعم إنها الغرفة 103، في البداية ظننت أن هناك شيئًا عالقًا في الباب ويخبط فيه من فعل الهواء الشديد، وببطء شديد كنت اتجه إلى الباب وأدير مقبضه، لكنه لم يفتح وهدأ الصوت، والتفت لأعود إلى مكاني وفاجأني الصوت مرة أخرى بقوة وانفتح الباب، وشق سواد الغرقة برق أضاء أركانها. لكن جزءًا ظل دامس السواد.

تبدو كجثة معلقة في حبل متدلٍ من النجفة بمنتصف الغرفة، لكن هذا الشيء العجيب الذي لا أعرف ما هو بدأ يتحرك نحوي وكأنه يخطو بثبات ومسافات متساوية، يده امتدت إلى كتفي وأمسكني بقوة جعلني لا أقدر على الحركة، تمتمات بدأت تخرج منه وأسمعها لكني لا أميزها، جعلت الغرفة تتحول إلى سرداب يملأه التراب والعنكبوت في الأركان.

أبواب حديدية وكأنها زنازين مغلقة يصطف خلف قضبانها عددٌ من الهياكل العظمية التي تمد يدها، وكأنها تستغيث بي لأخلصها، هل يعقل أن هذا الشيء يحتجز أرواح الناس التي حصدها وكذا هياكلهم العظمية؟ هل سيكون مصيري مثلهم؟

لم انتظر طويلا وكانت المفاجأة حينما دفعني ذلك الشيء نحو باب مغلق، فارتطمت السلسلة التي كنت ارتديها بالقضبان الحديدية، فأخرجت نورا محت ظلمة المكان، وعدت إلى مكاني في منتصف الغرقة، خرجت بعدها مهرولا إلى غرفتي وأغلقت الباب، ودخلت تحت الغطاء وأنا ارتعد خوفًا مما حدث، لكن عقلي يفكر في شيء آخر إنها "السلسلة" وما حدث منها، هل ستكون سلاحي في مواجهة هذا الشيء؟ وهل سأتغلب عليه وأحرر الأرواح التي استغاثت بي؟، ظللت أفكر إلى غبت عن الوعي تماما، لا أعرف ما يدور حولي، وخصوصا بعدما سمعت وقع أقدام تسير في خطوات نحوي قبل فقداني للوعي.

يتبع...                                          

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل