ماجدة الجندى ماجدة الجندى الأستاذ «لويس»
الخميس 05-04-2018 | PM 09:58

لماذا -مع أن الموت علينا حق- تفاجأت برحيل الأستاذ لويس جريس؟

ربما لأن حضوره (رحمه الله)، كان يزرع إحساساً لدىّ باستمرار زمنٍ اتسم «بمعانٍ» تعز يوماً بعد آخر.. ومجرد حضوره كان يشبه الوعد، ولو ببعض من هذه المعانى.. كم كنا محظوظين حين تلقتنا «الأبواب المفتوحة» و«القلوب المفتوحة» فى مجلة «صباح الخير».. كانوا «كباراً».. متحققين، فرحهم بالموهبة واكتشافها وحمايتها تجربة صارت فى ندرة الخل الوفى.. كانوا يتنفسون مهنة وفناً وثقافة.. وكان يكفيك ولو مجرد «التماس» أو التنسم، لتكتسب «عافية مهنية» والأهم «عافية قيمية».. وكان لويس جريس واحداً من هؤلاء «الكبار». الأستاذ «لويس» طراز من البشر القادرين على التصالح مع الحياة بنضج وسماحة.. مهما اختلفت أو اتفقت معه، لديه نقطة اتزان، ودرجة من الواقعية وإدراك الحدود، تجعله دوماً قادراً على نيل الاحترام. كان له تعبير يلخص به رؤيته لدوره، كرئيس التحرير، كان يقول: رئيس التحرير ده «عسكرى مرور»، يعنى عملية تنظيمية. لم يكن رئيس التحرير الذى يتدخل، لا فى الفكرة ولا كيفية تنفيذها، ولا يمنح نفسه أى حق اللهم بعض الإشارات أو الآراء الاسترشادية. هو «إنسانى» بامتياز، إنسانى دون استعراض العواطف، أو مبالغة فى الكشف.. تستشعر «رقته» عند اللزوم، وبغير ما تتوقع تجده سحب كرسياً جنب مكتبك وسألك عما يعكر صفوك.. واتخذ ما باستطاعته ليزيح غمامتك، فى صمت ودون كلام كثير.. كنت أحب «اللازمة» الصعيدية التى لا تفارقه، والتى هى «كلمة» يريد من خلالها أن يوضح لك أمراً ولكن إيقاعها متسائل: «بالك؟»، ثم يستطرد فيما يريد.. ينطقها بصعيدية قحة يمد من خلالها الباء والألف.. كان عف اللسان، خلوقاً لا يخرج أبداً، لا انفعالياً ولا وظيفياً، عن حد الاحترام مهما جرى.. لم يكن يخاطب الواحد منا باسمه إلا مسبوقاً بلقب «الأستاذة» أو «الأستاذ»، ولم تكن الأعمار تتجاوز العشرينات، وربما لم يبلغها البعض منا.. لا أذكره عبر سنوات طويلة إلا محتفظاً بهدوء يليق وكياسة، مهما جرى.. أتذكر أن أحدنا كان «مثالياً»، مفرطاً فى مثاليته إلى حد أقرب إلى التيبس والتشبث بما يعتقد، لمدى لافت وربما مستفز، ومع ذلك لم يكن الأستاذ لويس يفقد صبره أبداً، ولا يتنازل عن أدبه الجم، مهما طال الوقت، إلا مرة وحيدة.. وقف الأستاذ لويس منفعلاً وخرج من مكتبه، وراح يضرب كفاً بكف وهو يردد «لا إله إلا الله».. «لا إله إلا الله».. لثوانٍ لاحت بوادر نوع من التوتر، كسرها زميل بضحكة وهو يقول «أيوه يا أستاذ لويس.. تكة كمان وكمل!».. وضحكنا كلنا بما فينا رئيس التحرير، من مغزى المداعبة، ثم قال الأستاذ لويس بصوت هادئ ودود: «بالكم.. هو فعلاً لا إله إلا الله عند كل المؤمنين».

لويس جريس «إنسانى» بامتياز.. تحسه منتمياً إلى «المعنى».. متجرداً كالزهاد وله مس من «الصوفية» التى تتبدى فى اتساع قلبه للجميع.. كان نموذجاً فى الإدارة الحية، والحديثة.. إلى جانب رئاسته للتحرير شغل لسنوات موقع العضو المنتدب لمؤسسة «روزاليوسف» فى سنوات ألَقها المهنى، ومكنته توليفة الخبرة ما بين التحرير والإدارة من أن يكون «حكيماً». كان مكتبه هو أول ما تقابله فى الدور السابع من مبنى «روزاليوسف».. وعلى الرغم من حساسية ما تولاه من مسئوليات، سواء كان رئيس تحرير أو عضواً منتدباً، فإنى لا أذكر هذا المكتب إلا مفتوحاً، تتصدر حوائطه صورة بالحجم الكبير «للست».. الست «روزا».

.. لم يكن هناك باب يُغلق فى هذا الدور.. لا باب ولا قلب.

تعليقات الفيس بوك

عاجل