زاوية الورم

أحمد زهران

أحمد زهران

كاتب صحفي

هناك شيء ما يؤرقني منذ فترة وأكتم قلقي، أحاول تناسيه أو تجاهله، ولكنه يزداد يومًا بعد يوم حتى أنني أصبحت أشعر أنه سوف يعصرني أو يبتلعني!.

لم تعد إشارات هذا العصب الأيمن تأتي مثل المعتاد، ليس كأخيه الأيسر الذي يرسل إشاراته الكهربية بامتياز منذ زمن بعيد، منذ أن بدأنا العمل معا!

"دعني أحكي لك قصتي"، ربما يخفف هذا من حدة القلق وربما بإمكانك مساعدتي!! أنا "جذع المخ" أو هكذا يسمونني، نشأت بين اخوتي منذ خُلقنا في الأسابيع الأولى داخل رحم أمك تحديدًا بين الأسبوع الثالث والرابع!

"فوقي هذا أخي الأكبر" يسمونه "المخ" وهو مهندس العمليات لكل شيء، فهو الآمر الناهي والمتحكم في كل شيء تقريبا، فلا سمع ولا بصر ولا حس و لا حركة و لا فكر و لا عاطفة بدونه.

ومن خلفي هنا يجلس أخانا الأوسط "المخيخ" يفصلنا هذا النهر الجميل الذي يسري فيه السائل المخي بانسياب، و "المخيخ" يساعدنا في ضبط الحركات والمحافظة على الاتزان، يمكن لوهلة أن يخدعك اسمه وتظنه شبيها بأخينا الأكبر أو أنه مخًا صغيرًا، لا لا، لا شيء يقارن بالمخ يا صديقي، فقد أبدعه الخالق كما لم يبدع شيئا سواه!! أتدري قصة سجود الملائكة لجدك آدم؟! إن الخالق لم يأمرهم ليسجدوا إلا لأنه خلق لأدم المخ بصورته المكتملة ووظائفه العليا.. أو هكذا أظن!!

"لعلك تتساءل عني الآن".. وعن دوري بين اخوتي بحجمي الصغير هذا؟! سأخبرك بكل شيء لا تقلق.

ببساطة يا صديقي تقدر تعتبرني حلقة الوصل!! أنا الذي ابعث برسائل استخباراتية حسية لأخي الأكبر و أنفذ تعليماته بإتقان!! أنا الطريق إلى المخ و من المخ، سكرتير المخ، كل الأحاسيس يجب أن تمر خلالي، كل لمسة و كل الم و كل صوت تسمعه و كل شيء تتذوقه تصل إشاراتها من خلالي إلى المخ !! و كل حركة و كلمة و فعل يريدها المخ تصل إشاراتها لجسمك أيضا خلالي!!

"ليس هذا فحسب!"، أن وعي المخ لا يتم إلا من خلال نشاط شبكة "كهربائي" انا!! أنت تنام عندما أهدأ أنا أو اتعب! وتستيقظ عندما أنشط وأرسل النبضات الكهربية التي تنير وعي المخ و المخيخ! و بالحديث عن النوم، هل تدري من يجعلك تتنفس دون وعي وأنت نائم؟! نعم أنا مجددًا! فمركز التحكم بعضلات التنفس أديره أوتوماتيكيا بطلاقة !! لولا خوفي من خالقي لزعمت أن الروح تسكنني أنا و أنك تموت إذا خرجت مني!! هاهاهاهاها لا لست مغرورًا ولكن هذه هي الحقيقة، فوفاة جذع المخ تعني وفاة حتمية.

هذه الأذرع او "الأعصاب" التي تخرج مني تجعلني اتحكم في كل شيء؛ فبهؤلاء الثلاثة اتحكم في حركة العينين التان تنظر بهما حيثما أردت، وبهذا العصب استقبل احاسيس الوجه من لمس و حرارة وابعث من خلاله إشارات حركة الفك للمضغ و يسمونه "العصب الخامس" .. وبالعصب السابع هذا اتحكم في حركة الوجه فبه تستطيع أن تحتفظ بالطعام في فمك وتتذوقه و تصفر و تغمض عينيك حين تنام في سلام، وفي نفس تلك الزاوية التي يخرج العصب السابع يمكنك أن ترى صديقه العصب الثامن أو العصب السمعي الذي ينقل لي كل الأصوات و الكلام لأنقلها للمخ، والسابع والثامن صديقان حميمان يشقان طريقهما معا من فتحات عظمة الأذن الداخلية!! ثم بالأسفل هنا باقي الأعصاب التي اتحكم بها بالبلع وإصدار الصوت من الحنجرة والتنفس و نبضات القلب و الهضم و حركة لسانك وأشياء أخرى لا أملك وقتا لأسردها لك، باختصار أنا أفعل كل شيء!.

برغم كل ذلك إلا أنني و إخوتي مظلومون إعلاميًا لأقصى درجة!! أنهم لا يهتمون إلا بهذا العضو البدائي الذي يسمونه "القلب"!! فقط مضخة للدم استطيع أنا التحكم في سرعة وقوة نبضاته.. صنعوا منه أساطير؛ يقولون أنك تشعر بالحب من القلب واعتبروه رمزًا للحب! كذب كذب كذب!.. "المخ" هو مركز الحب و الخوف والعاطفة بلا شك!! فعند رؤية الحبيب أو عند الشعور بالخوف ابعث أنا بتعليمات من المخ اشارات ازيد بها من نبضات و قوة خفقان هذا القلب حتى اغذي أخي بالمزيد من الدماء لأعطيه قدرة أكبر على التركيز!! ألهذا يظنون ان خفقات قلبهم دليل على الحب!! هراء .. يا صديقي اذا أقبَلَتْ حبيبتك يجعلك المخ تشتم رائحة عطرها ثم اساعدك انا بالنظر تجاهها .. ثم تتأملها بمساعدة المخ و العصب البصري و هي تقترب منك، تغمز لها و تصفر جذبا لانتباهها بمساعدتي .. تقبِّلها بمساعدتي .. اجعلك تحدثها و تغني لها بصوتك و تسمع صوتها اذا حدثتك .. و إذا قبَّلتك على خدك اجعلك تشعر بحرارة القبلة!! قل لي بالله عليك هل يفعل القلب ايا من هذا ليصير رمزا للحب!! تبا لهذه الدنيا غير المنصفة!!

لا أدري هل يقدسون البلعوم أيضا و يجعلوه رمز الطعام أم لا لأنه يبتلع بسلاسة كل ما يأكلونه دون جهد منهم.. أتظنون هذه الأنبوبة العضلية تفعل ذلك وحدها؟! بالطبع لا!! انها اشارات عصبية مني أنا !! انا فقط!! جذع المخ!!

"دعنا من كل هذا الآن".. أنا جد قلق على أحوال العصب الثامن الأيمن.. قلت لك أنه لا يرسل نبضات عصبية مثل الايسر!! انني لا استقبل أصواتا من الناحية اليمنى مثل اليسرى!! ألا تشعر أنك مؤخرًا دائم استخدام اذنك اليسرى للرد على المحمول؟! ألا تسمع ذلك الطنين؟؟ ما هو إلا اشارات غريبة ترجمها المخ هكذا!! و صديقه العصب السابع الأيمن أشعر أنه ليس على ما يرام.. فبرغم ان اشاراته العصبية تصلني دون نقصان و لكني اشعر انه متحامل على نفسه .. هناك شيء ما يعصره و يضغط عليه!!

أخشى ما أخشاه أن يكون ذلك من أعراض الورم الذي سمعنا عنه اشاعات و تحاكت به بعض الخلايا المحيطة بالعصب الثامن!! منذ فترة شكت لنا بعض هذه الخلايا انها ليست على طبيعتها و تريد الانقسام بصورة جنونية!! أتدري ما معنى ذلك؟؟ سوف تتكاثر هذه الخلايا اللعينة حتى تصير ورما كبيرا يضغط على العصب الثامن.. يا إلهي ربما يكون هذا قد حدث فعلا و هو سبب ضعف الاشارات منه!! الآن فهمت سبب اختناق العصب السابع.. أن الورم قد عصره عند التقائه بالعصب الثامن عند الفتحة العظمية للأذن الداخلية!!

يجب أن تفعل شيئا!! لا تقف هكذا!! هل تترك هذا الورم ليكبر!! ألا يعنيك أنك فقدت حاسة سمعك في الأذن اليمنى؟! هل لأن الله حباك بأذن أخرى ستكتفي بها؟! هل لأن عصبك السابع لازال يعمل برغم انه يئن من اعتصاره عند تلك الزاوية .. زاوية الورم!.

أيها الأحمق!! ان الوقت يسرقك .. لن تمر اشهر قليلة حتى يملأ الورم المكان كله و يزحف نحوي.. يا ربي لا أريد أن أتخيل هذا المنظر.. سيقترب ببطء ويضغط عليّ!! ربما يسد مجرى النهر الذي بيني و بين المخيخ فيفيض السائل المخي ويغرق أخي الأكبر!! يغرق المخ!!

هل لا تعلم حساسيتي الشديدة اذا لمسني أي شيء؟! سأفقد وظائفي واحدة تلو الأخرى إذا لمسني الورم!! لن يكون السمع هو الضحية الوحيدة.. ستفقد كل مزاياي!! سيضعف صوتك!! لن تستطيع البلع! ستتعذب حين تبتلع طعامك و شرابك الذي سيضل طريق البلعوم ليذهب الى جهازك التنفسي و يملأ رئتيك ليقتلك!! لا بل سأقتلك أنا بنفسي اذا ازداد حجم الورم و عصر بجسدي، سأوقف أنفاسك.. سأجعلك تغرق وأنت في الهواء الطلق قبل أن أصدر رصاصة الرحمة وأصدر أمرًا بتوقف قلبك عن العمل!!

تحرك الآن و بسرعة .. تحرك قبل فوات الأوان!!

احمد زهران