فى تاريخ الإخوان المسلمين دورات من الصعود والهبوط، من الانتصارات والهزائم، من الإنجازات والانكسارات. ولكن، تلك الدورة أو الحقبة الأخيرة تبدو أشدها حدة وإثارة، فقد بلغ الصعود أعلى ذُراه (أى أعلى ارتفاعاته وإنجازاته) بوصولهم إلى الحكم فى منتصف 2012.. لكن بعد عام واحد بالضبط، وتحديداً فى 30 يونيو 2013، بدأت مرة أخرى، وبشكل فاق كل التوقعات مرحلة هبوط حادة من خلال انتفاضة شعبية هائلة سمتها القوى المدنية «ثورة» وسموها هم انقلاباً على الشرعية. وبعد ما يقرب من ثلاثة أشهر من صراع سياسى، اصطبغ للأسف بالعنف والدمار.. وفقد الإخوان فيه جل رصيدهم من التأييد أو الشعبية. صدر يوم الاثنين الماضى (23 سبتمبر) حكم محكمة الأمور المستعجلة «بحظر جماعة الإخوان المسلمين، وحظر أنشطتها، والتحفظ على كافة الأموال والعقارات المملوكة لها».
حقاً، إن هذا الحكم هو حكم «أولى»، «وقتى»، وصدر بناء على دعوى مستعجلة أقامها حزب التجمع مطالباً بحظر تنظيم الإخوان المسلمين فى مصر وجمعية الإخوان المسلمين وأى مؤسسة متفرعة عنها أو تابعة لها، أو أى مؤسسة تم تأسيسها بأموالهم، أو تتلقى منها دعماً مالياً، أو أى نوع من الدعم.. إلخ. إلا أن المغزى الأكبر لهذا الحكم، فى سياق مجموعة التطورات السياسية الدرامية فى مصر منذ 30 يونيو الماضى، هو الدلالة التى لا يمكن إنكارها على الرفض (الشعبى - السياسى)، الكبير للإخوان هذه المرة، مقارنة بالرفض (الرسمى - الأمنى) الذى اعتاد عليه الإخوان، والذى كان يمثل -فى الواقع- مصدراً لتعاطف شعبى معهم. ذلك هو المغزى العميق فى تلك اللحظة المفصلية، غير المسبوقة، فى تاريخ الإخوان، والتى يصعب التكهن بقدرتهم على إدراكها، واستيعاب نتائجها! فعلى مدى خمسة وثمانين عاماً من حكم الجماعة، تعرضت لقرارين بحلها: الأول، فى العهد الملكى عام 1948. والثانى، فى بداية عهد ثورة يوليو، عام 1954.
ولكن فى كلتا المرتين لم تختف الجماعة من الحياة السياسية. وبرغم صدامها الدموى مع السلطة الناصرية، فى 1954 ثم 1965، ومحاكمة وإعدام وحبس واعتقال العشرات من قياداتها، والمئات من أعضائها، استمر وجود الإخوان، إلى أن أفرج السادات عن قياداتهم. نكاية فى خصومه من الشيوعيين والقوميين، قبل أن يغتاله متطرفون إسلاميون! أما فى عهد مبارك، وبالرغم من استمرار ملاحقتهم الأمنية، والاعتقال «الدورى» لقياداتهم، فإن النظام لم يمانع فى حضورهم السياسى، والذى بدا واضحاً فى شغلهم لما يقرب من 20% من مقاعد البرلمان المصرى فى انتخابات 2005 (88 عضواً).
غير أن التحول التاريخى الهائل فى دور الإخوان فى الحياة السياسية المصرية أتى مع ثورة 25 يناير -بقيادة الشباب المصرى- التى أطاحت بحكم مبارك، ولم يلعب الإخوان أبداً دوراً رئيسياً فى إشعالها، ولكنهم كانوا هم الأسبق إلى جنى ثمارها من خلال صفقتهم الكبرى مع «المجلس العسكرى»، والتى كانت أولى علاماتها أو ملامحها لجنة التعديلات الدستورية الشهيرة، التى حددت -فى غياب أو غيبوبة وانقسام القوى الثورية- ملامح طريق المرحلة الثانية: أى «الانتخابات قبل الدستور» (!!). وقد انتشى «الإخوان» بانتصارهم، وكان لهم ما أرادوا وقدروا مع حلفائهم من «السلفيين» الذين أغراهم المشهد بالإقدام نحو المشاركة فى الحياة السياسية، فاستحوذوا على أغلب مقاعد البرلمان المصرى، لتكون تلك أيضاً سنداً لهم لاحتكار وضع «الدستور»، من خلال لجنة كانت هى الأسوأ من نوعها فى التاريخ الدستورى المصرى كله!
غير أن تلك «الإنجازات» أو «الانتصارات» غير المسبوقة فى تاريخ «الجماعة»، أصابت الجماعة بحالة غير مسبوقة من النشوة، وفتحت شهيتها، وأيقظت أطماعها المكبوتة.. وتساءلت: ولمَ لا نتقدم نحو الخطوة الأخيرة، ونقطف أهم الثمار وأشهاها، رئاسة الدولة؟! وبرغم نصائح العديد من رموزها التاريخية الحكيمة التى حذرتهم بقوة، وصدق، وإلحاح.. مضى هؤلاء فى طريقهم، وطرحوا أولاً اسم رجلهم القوى «خيرت الشاطر»، ثم ما لبثوا أن رشحوا من أطلق عليه لفظ «الاستبن»، أى الدكتور محمد مرسى. وكان ما كان!. وعندما انتهت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية إلى أن تكون «التصفية النهائية» بين الفريق أحمد شفيق، والدكتور محمد مرسى، كنت شخصياً داعماً للفريق شفيق، لأننى لم أعتقد أبداً أن الإخوان المسلمين هم القادرون على حكم مصر! غير أن القدر كان رفيقاً بمصر! لأنه لو كان أحمد شفيق هو الذى أُعلن فوزه بالرئاسة (وبالمناسبة، فإن هناك شكوكاً قوية ومشروعة فى تلاعب تم لصالح مرسى، من حق الشعب المصرى أن يُحاط بكل أسراره وتفاصيله!) لكانت تلك أكبر فرصة للإخوان لأن ينتشروا ويتمددوا كأكبر القوى المعارضة (لنظام الفلول!) ولكن شاء الله أن يأخذ الإخوان فرصتهم ليحكموا مصر، و«يتمكنوا» منها ليكتشف الشعب المصرى المفاجأة المذهلة، وهى أن الإخوان المسلمين، ليست لديهم الرؤى، ولا السياسات، ولا الكوادر الصالحة لحكم مصر! وعندما سُئلوا عن مشروع «النهضة» ظهر أنها مجرد «كلمة» خاوية من أى مضمون، وأنها مجرد شعار لفظى لا أكثر ولا أقل. وفى حين تعج مصر بمشكلاتها المزمنة فى التعليم والصحة والإسكان، وفى انعدام النظافة، وانتشار الأمية، والفقر، والعشوائيات، والتفاوت الطبقى الحاد.. إلخ. لم يقدم الحكم الإخوانى أى حلول لها، وبدا فقر الكوادر لديهم مدهشاً وغريباً؟! ثم تمثلت ذروة المأساة فى الممارسة البائسة لرئيس الجمهورية، د.محمد مرسى، الذى بدا -للأسف الشديد- أقل بكثير من المنصب الذى تولاه! وبرغم التعاطف الشعبى معه فى البداية، وما قاله من كلمات وشعارات جاذبة ومعسولة.. فإن أوجه القصور الفادحة فى حكمه ما لبثت أن ظهرت للداخل والخارج بعد أن تصرف باستمرار كرئيس «لأهل وعشيرة»، وليس لدولة عريقة عظيمة اسمها مصر! وكان فقر أدائه ذلك بل وأداء النظام كله هو ما دفع ملايين المصريين -بمن فى ذلك من ناصروه وأيدوه فى البداية- لأن يعلنوا رفضهم له. وقادت حركة «تمرد» ملايين المصريين لإعلان رفضهم «الموثق» قبل أن ينزلوا -فى 30 يونيو- لشوارع القاهرة والمدن الكبرى، فى واحدة من أكبر تظاهرات التاريخ المصرى، بل تاريخ العالم رفضاً لحكم مرسى، والإخوان! ولم يكن أمام القوات المسلحة سوى أن تستجيب لإرادة الشعب. وكان ما كان، ليعلن الفريق أول عبدالفتاح السيسى -بعد التشاور والاتفاق مع رموز الدولة المصرية- خارطة المستقبل، ويتولى الرئاسة المؤقتة للجمهورية المستشار عدلى منصور، رئيس المحكمة الدستورية العليا.
غير أن الإخوان لم يعترفوا أبداً بأن ما حدث كان ثورة شعبية حقيقية ضد مرسى، وأن الشعب الذى أعطاه الشرعية فى الانتخابات، هو الذى خرج بالملايين لشوارع القاهرة ومدن مصر الكبرى ليسحب تلك الشرعية! وأصروا -بدعم من القوى الخارجية الصديقة للإخوان، أو تلك التى عجزت عن رؤية التغيير الثورى- على التعامل مع ما حدث فى مصر على أنه «انقلاب» عسكرى! إنه أول انقلاب عسكرى فى التاريخ يتحدد موعده مقدماً، ويشارك فيه ملايين البشر، وتنبثق عنه حكومة مدنية كاملة! ولكنها المعاندة والمكابرة، التى ما لبثت أن استحالت عنفاً وإرهاباً ودماء! واختار الإخوان، وحلفاؤهم، أن يرفضوا الانقلاب بأساليبهم التقليدية القديمة، التى كنا نظن أنهم هجروها، أى: العنف، وحرق أقسام الشرطة، والكنائس، والمبانى العامة، ثم الاغتيال والتعذيب!، وشهد المصريون صوراً لأبشع أنواع الممارسات الإجرامية فى هجمات وحشية على أقسام الشرطة فى مناطق عديدة، ربما كانت أحداث «كرداسة» فى الجيزة، من أبرز أمثلتها: حيث اقتحم الإخوان وأنصارهم القسم، ليقتلوا من أفلحوا فى إمساكه من ضباطه وجنوده ويمثلوا بجثثهم على نحو بشع ومشين لا يمت بصلة لا إلى القيم الإنسانية، ولا إلى القيم المصرية الأصيلة، التى نكل الإخوان بها، وشوهوها على مرأى ومسمع من العالم كله!
لقد فعل الإخوان هذا كله «دفاعاً عن الشرعية»!! ولكن الذى لن يعترفوا به هو أنهم بتلك الممارسات كلها فقدوا جوهر «الشرعية»! أى: «أن يتقبلهم الشعب المصرى»! لقد فقد الإخوان كلهم شرعيتهم لدى الشعب المصرى! وكان حل جماعتهم وجمعيتهم هو الإعلان «الرسمى» الأولى، عن نهاية الحقبة الإخوانية الحالية فى تاريخ مصر السياسى!