توفيق صالح.. رحيل "آخر الحرافيش"

كتب: محمد عبد الجليل

 توفيق صالح.. رحيل "آخر الحرافيش"

توفيق صالح.. رحيل "آخر الحرافيش"

"أنا غريب.. غريب وهذا قدري. أنا داخل مجتمع أقبله ئلكنه لا يقبلني، ماذا أفعل؟". جاءت هذه الجملة ضمن تصريح للمخرج الراحل توفيق صالح (1926 - 2013) في إحدى مقابلاته الصحفية. وعلى الرغم من كم الاحتفاء الذي كان صالح يلاقيه في الوسط السينمائي من تلاميذه وأصدقائه ممن يدركون قدره ومكانته، إلا أن هذا لم يكن كافيا ليتجاهل شعوره بالغربة، في واقع يرفض الكثير من أصحاب الموهبة الحقيقية، وزمنٍ قاسٍ لا يبحث سوى عن مقدمي التنازلات. كان توفيق صالح صاحب رؤية وشغف وعشق لعالم السينما. كان مهموم بقضايا مجتمع لم يتسع لأحلام أبنائه وهو أحدهم. رفض تقديم التنازلات من أجل مجاراة الواقع، مكتفيا برصيد سبعة أفلام وضعته ضمن قائمة الرواد في السينما المصرية. رحل صالح في خضم أحداث سياسية ساخنة، فرضت نفسها على الواقع المصري، ومنعت الكثيرين من الاحتفاء به كما ينبغي لقدره ومكانته في قلوب جمهوره، ومن قبلهم صناع السينما. وفي هذا الملف، تحاول "الوطن" إعطاء المخرج الكبير جزءا من حقه، بإلقاء الضوء على مشواره وحياته الثرية فنيا وإنسانيا. وتحدث السيناريست عاطف بشاي في البداية قائلا: "كان توفيق صالح من أهم مخرجي السينما المصرية رغم قلة أعماله، فهو ينتمي لنوعية من المخرجين أصحاب الرؤية السياسية الواضحة، ولم يكن مثل غيره متنوعا في نوعية الأفلام التي يقدمها، بل كان صاحب رؤية ثابتة وتوجه اشتراكي يساري النزعة، مهموما بقضايا المجتمع والشعب والشارع، وبالتالي عانى بشكل كبير على مدار العصور السياسية المختلفة من الاضطهاد، لكنه ظل قابضا على مبادئه، يعمل بمفهومه الخاص المتصل بأهمية أن تكون السينما أداة لتوصيل المعلومة السياسية والأفكار التي تدفع المجتمع للأمام وتعالج قضاياه ومشاكله، وبالتالي اكتسبت أعماله رغم قلتها أهمية خاصة جدا، ولم تكن مجرد أعمال تقدم للتسلية فقط، لذلك عاشت حتى الآن". وأوضح الناقد طارق الشناوي أن المخرج الراحل "كان دائم البحث عن تقديم نفسه بلا تنازلات، ورغم أنه قدم سبعة أفلام اختير منها أربعة في قائمة أهم 100 فيلم في السينما المصرية، إلا أنه كان يعتبرها بروفة لمشروعات لم تكتمل، وكان دائم البحث عن جديد يقدمه، وكان بداخله الكثير من المشاريع مثلت أحلاما له؛ منها تقديم فيلم عن ابن رشد، وكذلك قصة قصيرة لنجيب محفوظ بعنوان (يوم قتل الزعيم)، وبالفعل تعاقد مع محفوظ عليها، لكنه لم يرضَ عن أي معالجة سينمائية من التي قُدمت له، وأيضا من مشاريعه رواية (وكالة عطية) للكاتب الراحل خيري شلبي، وكان له في كل أعماله ومشاريعه هم اجتماعي، وموقف قادر على تحويله لحالة سينمائية خاصة". وأضاف الشناوي: "كان يشعر بالمرارة من الاضطهاد الذي يتعرض له، ومن أكثر ما أثر فيه في فترة الستينات عندما كان من المفترض أن يقدم ثلاثية نجيب محفوظ، وبدأ بالفعل في التحضير لها، لكن بسبب خلاف فكري مع المخرج صلاح أبوسيف، الذي كان يرأس المؤسسة العامة للسينما وقتها، تم سحب المشروع منه وإسناده لحسن الإمام، وشكَّل ذلك في مشواره جرحا لم يندمل".