سحر الجعارة سحر الجعارة انتشال الشخصية المصرية من التابوت
الأربعاء 06-06-2018 | PM 10:00

حين تحدث الرئيس «عبدالفتاح السيسى» عن ضرورة بناء الإنسان والشخصية المصرية، وقال إنها من أهم أولوياته فى الولاية الثانية للحكم، استعدت بكلماته -فى ذهنى- كل ما تعرضت له الشخصية المصرية من «تشوهات» وجروح غائرة تزداد يوماً بعد يوم.. وتحتاج إلى تدخل جراحى سريع، وليس إلى عملية تجميل شكلية!

سمات الشخصية المصرية، التى قال المفكر الكبير «جمال حمدان»، فى موسوعة «شخصية مصر، دراسة فى عبقرية المكان»، (إن «التدين» على رأسها، وهو مردود لحضاراتها الزراعية، بكل ما يتصل بها من سمات الصبر والدأب والجلد والتحمل، ثم المحافظة، نتيجة للاستقرار وبسببه)، أصبحت تتسم بـ«التدين الشكلى»، يلتزم فيه الإنسان باللحية والنقاب، ويجرى خلف الخرافات، ويضفى «قدسية» على من يعتبرهم «رموزاً» سواء من كتب أو أشخاص، وهو يخوض حرباً ضروساً فى قضايا خلافية ومذهبية.. كل هدفها استرداد الجزء المفقود من «الهوية المصرية» بالتعالى على المذاهب والأديان الأخرى.. والتفوق فى مناظرات غبية تستهلك العقل والجهد وتلهى الجميع عن المواقف الواقعية التى نرى فيها «فاسداً» يمسك المسبحة بيد ويتقاضى الرشوة بالأخرى!

ولأن «اللحى والنقاب» ليست دليلاً على «الأخلاق النبيلة»، رأينا كيف أصبح الحج رشوة، وتعد رشوة وزير الزراعة السابق «صلاح هلال»، الذى حُكم عليه بالسجن ١٠ سنوات، من أشهر قضايا الرشاوى التى شملت رحلات حج له ولأسرته بفندق ٥ نجوم، وفق نظام «الحج السياحى».. وكذلك «سعاد الخولى»، نائبة محافظ الإسكندرية سابقاً.. وغيرهما!!

لقد تشوهت خصائص المصرى القديم، الذى وصفه «حمدان»، فلم يعد «التسامح الدينى» عنواناً للمصريين، منذ بدأت عملية «تسييس الدين» ولجوء «السادات» إلى الجماعات الإسلامية لضرب «اليسار».. حتى توحشت وابتلعته فى النهاية!

لم يعد المواطن المصرى هو الشخص «العبقرى» القادر على صهر كل الحضارات واستيعاب كل الأديان والثقافات، ذلك الذى كان متسامحاً.. فمع سياسة الانفتاح تعلم «ثقافة الاستهلاك».. ولم يعد هو نفس الإنسان المحب للغير القادر على هضم كل ما حوله، ليعيد إنتاجه للعالم فى صورة فن وفكر وإبداع، ونبذ للعنف والكره.

حتى «القاموس الشعبى» اختلف، دخلت فيه مصطلحات: (التكفير، والعداء، والعنصرية، وتحقير النساء.. إلخ).. تحول «الفلاح الفصيح» إلى «ببغاء» يردد ما يلقنه له «خفافيش الظلام».. لم يعد متصالحاً مع واقعه كما كان.. أصبح إما منفصلاً عنه أو متناقضاً معه، خاصة مع انهيار «الطبقة الوسطى» حاملة القيم، التى حملت عبء ضبط توازن المجتمع.. حتى سقطت فى بئر الفقر والعوز.. والتغييب المتعمد بتعليم مزيف وخطاب دينى متعصب وإعلام يكرس الخرافة ويروج لها!

لقد تشوهت الشخصية المصرية، بالغربة أحياناً حين وقعت أسيرة «الكفيل»، تشوهت حين تحول الوطن إلى «سوبر ماركت» لا تملك الأغلبية فيه حقها المشروع من التعليم والثقافة ومظلة الحماية الصحية.. بينما كانت البلد تقسم بين أثريائها بقوة «الفساد».. تشوهت حين تعرضت البلاد لانسداد سياسى، وضاعت خلاله فرص «العدالة والمساواة».. فى ظل غياب تام لوزارات التعليم والرياضة والأوقاف، حتى سيطرت تيارات الإسلام السياسى على الشارع، وسرقت حتى «ثورة الشعب».. فلم يعد «المصرى، الفرعونى، القبطى» يعرف الفرق بين «الجهاد والإرهاب».. ولا بين «الواسطة والكفاءة».. ثم رفع شعار «اللامبالاة»، بعدما قام بثورتين من أجل «التغيير والإصلاح»!

والآن أصبحت إعادة صياغة الشخصية المصرية تحتاج إلى نسف الخطاب الدينى المتحجر، وطرح خطاب تنويرى/ثقافى فى الإعلام، واحتواء سياسى للشباب فى أحزاب ليست «كرتونية».. فتغيير القيم السلوكية والاجتماعية يبدأ من التغيير المعرفى وتربية العقلية النقدية.. والاندماج الحقيقى الذى يعيد للمصرى شخصيته الاجتماعية المنفتحة، التى كانت تتمتع بالمرونة والحيوية و«قبول الآخر».. فالهوية المصرية كانت سر بقاء الدولة المصرية.

لقد قال الرئيس إن إعادة بناء الإنسان المصرى سوف تكون على رأس أولويات الدولة خلال المرحلة المقبلة، باعتبار أن: (كنز الأمة الحقيقى هو الإنسان، ويجب أن يتم بناؤه على أساس شامل ومتكامل بدنياً وعقلياً وثقافياً بحيث يعاد تعريف الهوية المصرية من جديد بعد محاولات العبث بها).. وهذا الكنز الذى فقد بريقه هو فعلياً حائط الصد الأخير ضد المؤامرات الخارجية ومحاولة إفشال الدولة المصرية.

وانتشال «الكنز» من مقبرته يحتاج لآليات صارمة تقضى على «الفساد»، وتحارب «الكهنوت الدينى»، وتنتشل «الطبقة الوسطى» الغارقة فى رمال الفقر المتحركة.. وتنشر الفكر والإبداع، وتوفر مناخاً من «الحرية» باعتبارها جسر الثقافة والاستنارة.. ففى بلد تعداده تجاوز المائة مليون، فإن كل جائع أو جاهل أو مريض أو مغيب الوعى أو مخدر بسحرة الدين أو عنصرى.. هو عملياً «ثغرة» فى الأمن القومى للبلاد.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل