خالد منتصر خالد منتصر الكاتب الكويتى عبدالعزيز القناعى المتهم بازدراء الأديان يرسل إلى «الوطن» رسالة من المنفى
السبت 09-06-2018 | PM 10:03

الوطن العربى يتميز بوفرة النفط ووفرة أحكام سجن المفكرين!!، آخر من صدر عليهم حكم سجن بتهمة ازدراء الدين هو الكاتب الكويتى عبدالعزيز القناعى، وتهمته حيازة عقل، جريمته حلم وطن بالحرية، من يبلّغ عن كاتب ويسجن مفكراً الآن فى أى بلد عربى بتهمة ازدراء الإسلام لأنه ينتقد التراث وطريقة تفكيرنا فيه ويحاول أن يحرر العقل من أفكار تحنّطت لألف عام هو مدان، السجان هو المتهم بإهانة الإسلام وليس السجين، لأنه وهو يضع الأصفاد ويصادر الحرية يؤكد للناس أن الدين هش لدرجة أن فكرة أو نقداً أو محاولة إصلاح ستهدمه!، الهشاشة هى فى التدين وليس الدين، الخلل فى البشرى لا السماوى، فلماذا تريدون احتكار السماء؟، «القناعى» مثل الكثيرين الذين يحاولون الإجابة عن سؤال فرض نفسه، ومن يتعامى عنه كمن ينكر وجود الشمس فى منتصف النهار، لأنه يغطى عينيه!، لماذا يخاصم الإسلام المعاصر الحداثة؟، ولماذا الآن أخطر التنظيمات التكفيرية الإرهابية تحمل أسماء إسلامية؟، هل «القناعى» الآن صار هو المجرم الكافر، لأنه أراد تنبيهكم وتحذيركم وإيجاد الحل؟!، أناشد حاكم الكويت المبجل، وهو من جعل الكويت قبلة ثقافية لكل العرب منذ أن كان مصدرنا الثقافى مجلة «العربى»، وسلسلة عالم المعرفة وعالم المسرح وعالم الفكر، أناشده أن يصدر عفواً عن عبدالعزيز القناعى، هذا الشاب الذى يبتغى نهضة وطنه بتحرير العقل، وهذه رسالة القناعى التى أرسلها خصيصاً لـ«الوطن» يقول فيها:

«على مدى أكثر من سنة ونصف، بدأت القضايا المرفوعة ضدى فى المحاكم الكويتية تأخذ طريقها إلى إصدار الأحكام، التى تنتهى غالباً بطلب الحبس لمدد متفاوتة بين أشهر وسنوات وتأييد أحكام القانون الكويتى والجرائم الإلكترونية والنيابة العامة بحبس من يتطاول على الإسلام ورموزه، وكل ما يتعلق به من تراث وأفراد وغيره، كما هو معمول فى غالبية الدول العربية والإسلامية. وذلك على خلفية عدة تغريدات تويترية ومقابلات إعلامية طالبت بها بنقد وإصلاح الإسلام بشكل واضح وصريح، من منطلق واجبى ككاتب صحفى وإعلامى وناشط اهتممت منذ صغرى بمجال القراءة النقدية والاطلاع على مختلف الأديان والثقافات والمعرفة.

ولم تتوقف الحرب ضدى وضد ما أحمله من أفكار تنويرية فى ساحات المحاكم، بل أيضاً طالت الحرب شخصى وعائلتى بالتهديد بالقتل وإهدار دمى وفصل رأسى عن جسدى، كما تم وصفى بالزنديق والمرتد والكافر وغيرها من النعوت المهينة لكرامة الإنسان بعد أن طالب بعض أعضاء مجلس الأمة والمحسوبين على التيارات الإسلامية المتطرفة فى عام 2017 بتنفيذ أقسى وأقصى العقوبات ضدى على خلفية ظهورى على قناة الجزيرة، مطالباً بإصلاح الإسلام وإيقاف تنفيذ العقوبات الشرعية نظراً لما تحمله من تفسيرات وتأويلات يستخدمها رجال الدين والفقهاء لتهديد خصومهم أو لقتلهم، كما تستخدمها تيارات الإسلام السياسى لممارسة الإرهاب الإسلامى وخلق الصراعات الطائفية فى مختلف الدول العربية.

إن الأزمة التى نحملها فى مجتمعاتنا العربية اليوم ليست أزمة أفكار ومعتقدات بقدر ما هى أزمة حوار، أزمة غياب الرأى الآخر وقبول المختلف، حتى لو كانت أفكاره مخالفة للعقل الجمعى.. فتاريخنا القديم والحديث حافل بآراء مخالفة طالبت بإعادة النظر بالإسلام وإصلاحه كالمعتزلة وابن رشد وإخوان الصفا وفلاسفة المسلمين الأوائل، وصولاً إلى العصر الحديث مع طه حسين ونصر حامد أبوزيد وفرج فودة وغيرهم الكثير، ولكن أمام هذه الأفكار لإصلاح الدين وتنقية التراث الإسلامى، غاب عن الساحة الفكرية الإسلامية نقاشها أو تفنيدها أو مراجعتها، بل تم قمعها وتكفير قائليها وهدر دماء الكثير منهم، حتى أصبحت فتاوى القتل فى عصرنا الحديث مؤشراً على انسداد الثقافة والفكر العربى فى تفكيك الثوابت الدينية ومواجهة الرأى بالرأى.

إن منع حرية الرأى والتعبير فى قضية من كبرى قضايا تاريخنا وواقعنا ومستقبلنا وهى قضية الإسلام وتجديد رؤيته، لكى يكون متوافقاً مع العصر الحديث بما يحويه من مبادئ وقيم إنسانية وعلمية وحضارية تحفظ الإنسان، وبنفس الوقت تحافظ على المعتقدات الدينية من التشدد والشطط. هو الذى أبقى التيارات الإسلامية نشطة وفاعلة، وهو الذى أبقى بالمقابل أنظمتنا العربية تسير فى مسار الاستبداد والجهل والوصاية، فكل الدول العربية اليوم تشهد التحالف المدمر بين مؤسسة الدين ومؤسسة الحكم فى دعم مباشر لكليهما، حفاظاً على مصالحهما المشتركة ولتذهب الشعوب إلى الجحيم. إن الدين الإسلامى تحديداً، وبفعل تجار الدين وتيارات الإسلام السياسى تحول إلى سياسة مدمرة للتعايش وقبول المختلف وزاد معرفى جاهز لمن يريد القتل والتفجير وتعاليم تدفع إلى الكسل والجمود ومعاقبة المغاير وتصنيفه وازدرائه.

اليوم، وأمام الهجمة الضارية على مفهوم نقد الإسلام، علينا أن ندرك قيمة النقد فى تغيير العقليات وتجميد الكثير من النصوص الدينية والاعتراف بالأخطاء السابقة ومصالحة الأديان مع العلم ونظرية التطور، كما حدث للمسيحية واليهودية. إن مفهوم النقد يختلف من مجتمع لآخر ومن وعى إلى وعى آخر، ففى بعض الدول تعتبر السخرية من الأديان أمراً طبيعياً وكوميدياً ولا يثير أى حساسية وهذا بسبب وصول الشعب إلى درجة عالية من احترام حرية الرأى، ومن اعتبار الكلمة تبقى كلمة طالما لا تدعو إلى العنف والكراهية والإيذاء الجسدى، بينما فى مجتمعاتنا، فنحن ما زالت تحكمنا علاقات إنتاج ضعيفة فكرياً وثقافياً فى معرفة وتفسير معنى حرية الرأى وحدود الدين والمعتقد، كما أن تعاطى الشعوب العربية فى غالبيتها مع الإسلام لا يزال تعاطياً عاطفياً خالياً من أى تساؤل ونقد وشكّ، وبالتالى بقينا فى دائرة الاستسلام للمجهول والغيبيات والوراثة الدينية. وهو ما صنع التطرف وأبقى على طريقة التدين الإسلامى غير صالحة ولا قابلة للإصلاح. وقضايا الإرهاب الإسلامى فى الغرب وظهور الفتاوى الشاذة والبعيدة عن العقل والأخلاق، لا تزال تظهر، بل وتحظى بحماية المؤسسات الدينية والحكام العرب كفتاوى عدم الخروج على الحكام وفتاوى إرضاع الكبير وتزويج القاصرات واستمرار فتاوى تحجيب المرأة وظلمها وحصرها داخل التشريعات الإسلامية المختلفة تماماً مع مواثيق حقوق الإنسان واتفاقيات حماية الأطفال وحقوق المرأة.

لقد جاء مع انتكاسة عصر النهضة العربية وفشل مشاريع التحديث ومحاربة التيارات العلمانية، التخبط فى القوانين المضادة لحرية الرأى وتحالف الحكام العرب مع التيارات الدينية والقبلية التى هيمنت على التعليم والتشريع، فأنتج ذلك انغلاقاً وجموداً وتراجعاً فى مستوى الحريات، بالإضافة إلى وصول التيارات الإسلامية إلى البرلمانات والبدء فى إصدار قوانين تمنع الحريات وتطالب بالشريعة بل واستنساخ تجارب ماضوية غارقة فى التشدد والغلو. وهو ما يؤكد استمرار تراجع جو الحريات الفكرية وهيمنت القوى الدينية على المشهد السياسى والاجتماعى وفشل البرلمانات العربية فى مواجهة التشدد الإسلامى ونواب الإسلام السياسى، فالحكومات العربية والإسلامية ترضخ اليوم لدعوات الإحالة إلى النيابة وممارسة دور لا يجب أن يكون دورها، فالدول لا دين لها بل يجب أن تكون محايدة ومدافعة عن حرية الكلمة طالما لم تؤد إلى العنف.. أما مسألة الإساءة إلى مشاعر المسلمين من خلال نقد الإسلام، فهى تهمة ساذجة وبدائية تهدف إلى قمع الآراء واستمرار الإسلام بعيداً عن الإصلاح، كما أن المشاعر فعل عاطفى لا يمكن قياسه وحصره ويختلف من فرد لآخر، فجريمة الإساءة إلى المشاعر جريمة ليست مادية ولا يتوافر فيها القصد الجنائى، بقدر ما تكون مهمة نقد الأديان والثقافات والأفكار مهمة المثقفين والمفكرين والفلاسفة منذ بداية وجود الإنسان على الأرض لغايات فكرية ومعرفية ومستقبلية».

تعليقات الفيس بوك

عاجل