إبراهيم السايح إبراهيم السايح أهل القمة
السبت 21-07-2018 | PM 10:03

تتربع كليات الطب على عرش تنسيق الثانوية العامة لأسباب غير مفهومة، فالواقع يقول إن مهنة الطبيب لا تمثل أى نوع من الإغراء المادى أو الأدبى فى الوقت الراهن، وأن وصول الطبيب إلى الثراء والنجومية لا يتحقق إلا لنسبة ضئيلة للغاية من الأساتذة الذين تساعدهم الألقاب العلمية والإمكانيات الشخصية على الذيوع والنجاح، أما السواد الأعظم من السادة الأطباء فلا يحققون شيئاً من هذه المهنة سوى القليل من الستر والكثير من المعاناة وشظف العيش، ويتعرض بعضهم أحياناً للضرب والإهانة من السادة المواطنين رواد المستشفيات الحكومية، ويتعرض آخرون للمساءلة الجنائية بالحق أو بالباطل، وتعانى المهنة كلها من ضعف الوزارة وقلة مواردها وعجز النقابة عن حماية حقوق أعضائها، حيث ما زال الطبيب حتى الآن يتذيل جدول الأجور الحكومية رغم أنه مقبل لهذه المهنة من قمة إخواننا المتفوقين!

طلاب الثانوية العامة أدبى يمثلون أيضاً ظاهرة غير مفهومة، فما زالت كلية الاقتصاد والعلوم السياسية تحتل قمة أحلام ودرجات هذه الفئة من الطلاب، وذلك رغم أن خريجى الكلية المذكورة لا يعملون بعد التخرج فى أى وظائف لها علاقة بالسياسة أو الاقتصاد، وحين كانت الدولة تلتزم بتعيين الخريجين كان أوائل الثانوية أدبى يعتقدون أن الحكومة سوف توزعهم على السفارات ووزارة الخارجية بعد تخرجهم فى كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، لكن الواقع أن معظمهم كان يفاجأ بوظائف فى المجالس المحلية ودواوين المحافظات، أما وظائف الخارجية والسلك الدبلوماسى فهى تتطلب اختبارات خاصة أو مواصفات شخصية أو «تساليك» لا علاقة لها بالمؤهل الدراسى أو الكفاءة العلمية من قريب أو بعيد!

أوائل القسم العلمى الذين لا تتسع لهم كليات الطب وطب الأسنان يتجهون إلى كليات الصيدلة التى تقدم للمجتمع المصرى كل عام عدة مئات أو آلاف من السادة باعة الأدوية، فهذا النوع من الخريجين لا يمارس المهنة فى مجال صناعة أو تركيب الأدوية، لكنه يقف فى الصيدلية ويقرأ الروشتات ثم يبيع للزبون الدواء المطلوب! وهذه المهمة لا تحتاج التفوق فى الثانوية العامة، ولا تحتاج الدراسة النظرية والعلمية لأربع أو خمس سنوات، ولا تحتاج لقب «دكتور» الذى يمنحه السادة الصيادلة لأنفسهم أو يمنحه لهم الزبائن، وثمة صيدليات كثيرة لا يعمل بها الحاصلون على بكالوريوس الصيدلة أو أى مؤهل عالٍ، ورغم هذا يتمتعون بمهارات فائقة فى معرفة نوعيات الأدوية وبدائلها، وفى حقن المرضى عضلياً أو فى الوريد، وفى قياس الضغط «إلخ.. إلخ».

الكليات المرموقة فى مصر تتمتع بهذه المكانة وفق ثقافة المجتمع وليس بسبب المستقبل المشرق المزدهر الذى توفره للخريجين، الطالب المتفوق يستمتع بالانتماء لكلية الطب أضعاف استمتاعه بالحياة العملية بعد التخرج، ومعظم هؤلاء الطلاب يحرصون على اصطحاب البالطو الأبيض مع الكتب والكشاكيل فى وسائل المواصلات أو السيارات الخاصة أثناء ذهابهم وعودتهم من الكلية كدليل على تفوقهم واختلافهم عن العوام، الذين تحشرهم الحكومة فى مخازن التجارة والآداب والخدمة الاجتماعية والحقوق ومعاهد اللاسلكى والتعليم المفتوح!!

الأهم من كل هذا أن التعليم الجامعى الحكومى يتجه فى الوقت الحالى إلى مستقبل غامض فى ظل انتشار الجامعات الخاصة والدولية والأهلية واتجاه الدولة لتأسيس فروع لجامعات دولية حقيقية فى المدن الجديدة أو فى أى مواقع أخرى، هذا الاتجاه لا يستطيع أحد الاعتراض عليه فى ظل التدهور الشديد فى مستوى التعليم المصرى العام أو الجامعى، وفى ظل إجبار الجامعات الحكومية على قبول أعداد من الطلاب تفوق طاقتها بكثير، وفى ظل ترحيب الجامعات الحكومية بهذه الأعداد الكبيرة لأن السادة أعضاء هيئة التدريس يستكملون رواتبهم الهزيلة من عوائد تسويق الكتاب الجامعى لهؤلاء الطلاب.

الدولة التى فرضت مجانية التعليم ليست الدولة التى عاش فيها المصريون أربعين عاماً تحت حكم السادات ومبارك، كل شىء منحته دولة عبدالناصر للشعب المصرى انتهى تماماً مع الانفتاح العشوائى الساداتى والرأسمالية السبهللية المباركية، لم تعد مجانية التعليم فى زمن الانفتاح والتهليب أمراً حقيقياً أو حتى شبه حقيقى، ولم يعد التعليم العام أو الجامعى فى مدارس وكليات الحكومة قادراً على نقل الطلاب من الجهل إلى العلم، ولم تعد الشهادة الجامعية الحكومية تمنح حاملها تأهيلاً علمياً حقيقياً فى مجال تخصصه، وكل هذه الحقائق يعرفها أصحاب الشأن فى التعليم العام والجامعى، ولكن أحداً منهم لا يجرؤ على اتخاذ أى إجراءات استراتيجية لإصلاح هذه الأوضاع، موازنة الدولة لا تسمح بوضع المدارس والجامعات على الطريق الصحيح، والظروف الاقتصادية والاجتماعية لعموم البشر لا تسمح بإلغاء مجانية التعليم حتى لو كانت مجانية صورية، والنظام السياسى الحالى يتعامل مع هذه القضية وفق الإمكانيات المتاحة بتأسيس جامعات حقيقية للقادرين وإحالة غير القادرين إلى وقت لاحق تتمكن فيه الدولة من إصلاح التعليم العام والتوسع فى الجامعات الحكومية وتحسين أوضاعها كجزء من تنمية شاملة لم يحِن موعدها بعد.

الأكثر خطورة من كل ما سبق أن التفوق العلمى فى مصر لا يقدم بالضرورة بشراً أسوياء، فأحد إخواننا المتفوقين حصل على بكالوريوس الهندسة ومنحه التفوق وظيفة عضو هيئة تدريس، ثم نال بعثة خارجية حصل فيها على الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية، ثم عاد للوطن عضواً قيادياً فى عصابة الإخوان، ثم نال عضوية مجلس الشعب، ثم صار رئيساً للجمهورية ولم يمنعه التفوق العلمى من ارتكاب سلسلة من الأخطاء والخطايا الشخصية والسياسية والطائفية فى عام واحد انتهى بطرده وجماعته من السلطة والحياة السياسية والوظيفة العلمية التى كان يشغلها قبل أن تحوله حماقته إلى سجين بلا رسالة، اثنان آخران من حملة جائزة نوبل اقتحم كل منهما مجال العمل العام فخسر أضعاف ما ناله من تقدير شعبى أو إعلامى أو رسمى، ومتفوق رابع شغل منصب وزير التربية والتعليم لعدة سنوات فجلب على البلاد سخرية بلا حدود حين افتكس نظام التحسين ومنح عدة آلاف من طلاب الثانوية العامة مجاميع تتخطى الحد الأقصى للدرجات، وكان الطالب الحاصل على 99٪ يلجأ لامتحان التحسين فيحصل على 125٪ أو أكثر!!

ومتفوق خامس شغل نفس هذا المنصب فألغى إحدى سنوات التعليم الأساسى، ثم عاد رئيساً لمجلس الشعب بعد سنوات طويلة فقرر هو نفسه إعادة هذه السنة الملغاة!

أحدث منتجات إخواننا المتفوقين القرار الذى أصدرته السيدة الأستاذة الدكتورة وزيرة الصحة بإذاعة السلام الجمهورى فى كل المستشفيات والمستوصفات والصيدليات صباح كل يوم، مع التزام الأطباء والتومرجية والمرضى بأداء قسم الولاء للمهنة عقب سماعهم السلام المذكور!!

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل