د. فاطمة سيد أحمد د. فاطمة سيد أحمد الجمهوريات الأربع والجيش (١٥)
الأربعاء 08-08-2018 | PM 10:03

عندما شرع الرئيس السادات فى الوثوب فى قارب السلام مقرراً النجاة بمصر شعباً وجيشاً من أهوال الحروب ودمارها لم يكن الأمر هيناً، وإذا كانت معركة المصير العسكرية (حرب رمضان) مهدت له الطريق بل أوصلته له على وجه السرعة وكما أراد فإنها أنتجت نتوءاً واحداً يمكننا أن نطلق عليه «الحالة الشاذلية»، فيما عدا هذا لم تكن لديه مشكلة فى المسار العسكرى الذى خطط له للوصول إلى هدف «لا حرب بعد اليوم».. إلا أن الأمور المرحلية للجمهورية الثانية تعدت الشكل العسكرى الذى كانت عليه البلاد لتبدأ السياسة الخارجية دورها، وعند هذا فوجئ السادات بأن على تلك الساحة أيضاً له معارضين، وهو ما لم يكن يتصوره، فإن العمل الدبلوماسى للسياسة الخارجية عليها تنفيذ سياسة الدولة دون أن تصطدم بتوجهات القائمين عليها فهذا يتنافى مع بروتوكولات هذا العمل الذى يكون الاختلاف فيه هو طريقة تنفيذ هذا التوجه أو ذاك، أما وقد يتعدى هذا ليصل إلى حد رفض اتجاه الدولة فى سياستها الخارجية فهذا ليس مقبولاً فى تاريخ الأمم. وعلى الرغم من قيام السادات بتمهيد الشكل الذى يجب أن تكون عليه مصر عندما تدخل فى مفاوضات السلام فالشىء الذى يجب مراعاته هو أن يكون هناك تقارب على مسرح الدولتين اللتين ستقومان بالتفاوض فى الشكل السياسى الداخلى والخارجى، وهذا ما جعل السادات يقوم بعد وقف القتال بإيجاد تعددية سياسية ممثلة فى تيارات معبرة عن المجتمع لتكون مطابقة للطرف الآخر الذى سنفاوضه (إسرائيل)، وقد حرص السادات على أن يكون الشكل الاقتصادى والسياسى متطابقاً لتصير صيغة التفاوض على قدر كبير من الندية وربما هذا يفسر لماذا سعى السادات إلى إنشاء المنابر السياسية، كان يريد تصدير معنى للعالم الدولى بأن مصر دولة ديمقراطية بها تعدد سياسى واقتصاد حر وقبلهما جيش قوى. ولذا فإن السرعة التى اتخذ بها السادات القرار بهذا الشأن ربما غير مدروسة كفاية ولكنها كانت ضرورة، ومع هذا قابلت كل من مصر وإسرائيل معضلة رجال السياسة الخارجية لديهما، هؤلاء من معتنقى مذهب سياسى سابق قائم على التمسك بالعنصرية القومية التى تنطلق من العروبة لمصر واليهودية لإسرائيل، وسياستهما الخارجية ظلت قروناً تُمارس هذا الدور مما أدى لحدوث صدام بين المؤسسات التى تؤدى الدور السياسى الخارجى والقيادات السياسية فى الدولتين عند تشكيل فريق التفاوض مما جعلهم يستعينون بقادة الحرب مرة أخرى ليجلسوا على مائدة التفاوض وكل منهم يحمل ملفاً بعينه، مرتدين الملابس المدنية، إلا أن المفارقة هى أن الجنرالات الإسرائيليين تعرفوا على شخصيات القادة المصريين الذين بدورهم كانوا يعلمونهم ولكن لم يكشفوا أمرهم ومن هنا فإن العسكريين لدى الدولتين هم من قاموا بمهمة الحرب والسلام وساعدهم فى التفاوض ودراسة الملفات الصف الثانى والثالث فى الخارجية (ويحضرنى فى هذا ما ذكره لى قادة أكتوبر الذين شاركوا فى مفاوضات السلام فقالوا «لا يعرف قيمة السلام إلا من كان على جبهة القتال»)، وربما هذا يفسر استمرارية المعاهدة حتى الآن فمن قاموا بها هم من عاشوا الأهوال وعرفوا قيمة الدماء وصون البلاد شعباً وأرضاً.. وبما أن ما يهمنا هنا هو موقف الخارجية المصرية من مفاوضات السلام فلنا أن نبحث فى شخصيات من أعلنوا هذا الدور ومدى صدقهم فيما صدروه للرأى العام.. كان وزير خارجية مصر وقتذاك إسماعيل فهمى الذى عينه السادات من عام ٧٣ واستمر حتى ٧٧ تخللها ثقة السادات فيه حتى عيّنه نائباً لرئيس الوزراء عام ٧٥ بجانب عمله كوزير للخارجية إلا أن السادات فوجئ به مقدماً استقالته عام ٧٧ اعتراضاً على زيارة الرئيس السادات إلى إسرائيل وتمادى بشدة فى الانتقادات لسياسة السادات وقراراته.. وهذا أوجع السادات كثيراً فلم يجد مبرراً لما يقوم به «فهمى» الذى أتى به هو نفسه بعد حرب أكتوبر ليكون فاعلاً ومساعداً له فيما انتواه من مفاوضات للسلام لأن تاريخه الدبلوماسى يؤهله لذلك فقد عرف عنه نشاطه وقدرته على التفاوض وقد عمل فى الأمم المتحدة وكانت لديه خبرة واسعة فى شئون الشرق الأوسط وعلاقات مصر الخارجية إلا أن استقالته، التى جعلها مسببة، كتب فيها معبراً عن وجهة نظره فى مفاوضات السلام الآتى: «أعتقد أن هذا سيضر بالأمن القومى المصرى وسيضر علاقاتنا مع الدول العربية الأخرى وسيدمر قيادتنا للعالم العربى»، وقد ذكر لى المشير الجمسى أن فهمى فعل هذا بإيعاز من أطراف عربية وكانوا يريدون توصيل رسالة إلى أمريكا والمجتمع الدولى بأن مؤسسة السياسة الخارجية فى مصر غير راضية عن سياسة رئيس الدولة وتعلن اعتراضها. وقد سألت الفريق الشاذلى «هل الوزير إسماعيل فهمى ميوله ناصرية عروبية قومية؟»، فقال لى: «لا، خالص، ولكن الوزير محمد مراد غالب هو كذلك». أما فهمى فقد كان يلعب دوراً لأطراف عربية على النقيض من ناصر. ثم روى لى الشاذلى حكاية عن فهمى فقال: عندما كنت رئيس أركان الجيش وتحديداً فى بداية عام ٧٣ كان إسماعيل فهمى وزيراً للسياحة وكان لديه ابن مجند وأرسل لى رئيس هيئة التنظيم والإدارة بالجيش طلباً مُوقعاً من فهمى لإعفاء ابنه من التجنيد وكانت مثل هذه الطلبات تقدم ونبحثها حسب حالة الأسرة بأن يكون المجند هو عائل أسرته أو غير ذلك من الأمور الإنسانية التى يوجب بمقتضاها إعفاء الفرد لظروفه الأسرية القاهرة، فيما عدا ذلك لا يمكن بأى حال من الأحوال، وبما أن ابن فهمى لم ينطبق عليه أى من أسباب الإعفاء فقد رفضت طلبه فما كان منه إلا أن اشتكانى للوزير أحمد إسماعيل الذى اتصل بى وسألنى لماذا لم أوافق على طلب فهمى، فقلت له «لا تنطبق عليه أسباب الإعفاء ومثله كأبناء كل المصريين فلماذا لا ينضم لصفوف الجيش ويحارب مثلهم؟»، فقال: «ولكنى أطلب منك أن توافق له على طلبه»، فقلت لوزير الحربية «فلتوافق أنت أما أنا فـ(لا)»، وبالفعل قام الوزير بإعفاء ابن إسماعيل فهمى ليسافر إلى الخارج ويعمل فى مهنة تدر عليه راتباً مجزياً، تاركاً واجبه تجاه بلده التى تستعد للحرب مثله ككل شباب مصر، ثم أضاف الشاذلى: «فهل من يفعل ذلك ويبخل على مصر بولده ولا يقف معها وقت الحرب والشدة يغار على ريادتها وأمنها القومى؟».

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل