خالد عكاشة خالد عكاشة الواقفون على أبواب ثلاجتنا الذكية!
الإثنين 13-08-2018 | PM 10:04

«Smart refrigerator» هى «ثلاجة» مبرمجة بتقنية عالية. التعبير ذاته أصبح اليوم يطلق، «اصطلاحاً»، على مخزن البيانات الكبيرة التى أصبحت الآن قيد التداول، رغم كونها بيانات شخصية. هذا هو صلب الفضيحة التى هزت عرش موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» فى مارس الماضى، رغم أن الموقع ومديره مارك زوكربيرج هو من سلط عليها الأضواء حينها، وحظيت بقدر واسع من متابعة جلسات الاستماع التى ألقى خلالها باعتذار متكرر للمستخدمين، عن الخروقات التى تسببت فيها شركته، عبر السماح للأيادى بالعبث فى محتويات البيانات للحد الذى وصل إلى نحو 100 مليون كـ«رقم مؤكد» للحسابات التى تم العمل عليها.

موقع «فيس بوك» لم يكن سوى «الثلاجة» الكبيرة، لكن من لم يلفت الانتباه بالقدر اللازم رغم كونه يمثل الأيدى التى عبثت عمداً بالمحتويات، هو شركة «كامبريدج أناليتيكا» Cambridge analytica، وهى شركة خاصة تعمل على الجمع بين استخراج البيانات وتحليلها، ثم الوصول لاستنتاجات عند العمليات الانتخابية وغيرها. تم إنشاء الشركة عام 2013 لتمثل فرعاً من الشركة الأم البريطانية (Group SCL) المشاركة والحاضرة بقراراتها فى السياسة الأمريكية. فى عام 2015 اشتهرت الشركة بقدراتها الفائقة، حيث عملت فى البداية على قضايا سياسية خفيفة الوزن إلى حد ما، لكنها سرعان ما تعمقت فى المجال السياسى التقنى عندما دخلت على خط الحملة الرئاسية لدونالد ترامب عام 2016. كما زادت من شهرتها عندما عملت على ما يخص حملة انسحاب المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبى.

عندما تأكد أن الشركة البريطانية كان لها دور بارز فى الحملات المثيرة للجدل، ومواضيع التحقيقات الجنائية الجارية فى عدد من بلدان العالم، خاصة بعد أن نشرت «نيويورك تايمز» و«ذا أوبزرفر» أن «كامبريدج أناليتيكا» استخدمت معلومات شخصية للغاية، حصلت عليها من موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» دون إذن من الجهات المعنية بالأمر. ادعت حينئذ أن جمعها لتلك المعطيات كان بهدف أغراض أكاديمية بحتة، لكن هذه البراءة العلمية المراوغة لم تكن سوى غطاء لأساليب تحليل البيانات الذى يعمل عليه مركز القياس النفسى بـ«جامعة كامبريدج»، حيث حملها الخبير بالجامعة «مايكل كوسينسكى» أهم أفراد الطاقم الذى وصل هو وزملاؤه لتطوير نظام معلومات فعال ودقيق، إلى الشركة التى طبقته على البيانات العامة من على مواقع الإنترنت، مستخدماً المصادر العامة والخاصة، مثل التركيبة السكنية وشرائحها، سلوك المستخدمين ونسب إشباع رغباتهم، وصولاً إلى الجاسوسية الرقمية، لكن يظل الأشهر منه أنه حقق فاعليته الكاملة على تطبيق الهواتف الذكية، الذى يلج مباشرة إلى موقع «الفيس بوك».

هذا الاختراق الهائل دفع الأكاديمى البارز «فيليب هوارد»، أستاذ علم الاجتماع والاتصالات بـ«جامعة أكسفورد»، إلى أن يطلق صرخة تحذير من خلال مقاله بالـ«فورين بوليسى» الأمريكية بعنوان «بياناتنا هى ذواتنا.. كيف يمكن إيقاف شركات التقنية عن احتكار معلوماتنا الشخصية». ذكر فيه أن هذه الأزمات هى مجرد أعراض لمشكلة أعمق، هى الاحتكار الفعال، بحيث جنت حفنة من مؤسسات التكنولوجيا ثروة من المعلومات المتصلة بالحياة العامة. ويتطلب إصلاح هذا الوضع، إعادة الجمهور إلى موقع السيطرة على بياناته. ولذلك أوصى صانعى السياسة بالتركيز على خمسة إصلاحات أساسية، ستعيد كلها المؤسسات العامة للسيطرة على تدفق البيانات، التى تهيمن عليها الآن المؤسسات الخاصة.

أولاً، على الحكومات أن تطالب شركات التكنولوجيا بالإبلاغ الإلزامى عن المستفيدين النهائيين من البيانات، حيث يجب أن يُطلب من شركات التكنولوجيا عند الاستعلام، أن تبلغ المستخدِمين بوضوح عمن هم المعلنون، والمنقبون عن البيانات، والمستشارون السياسيون الذين استفادوا من المعلومات المتاحة. ثانياً، يجب أن تخضع اللوائح منصات الإعلام الاجتماعى، لتسهيل عملية التبرع بالبيانات، وتمكين المستخدمين من التعرف فعلياً على المجموعات المدنية والأحزاب السياسية، أو الباحثين الطيبين الذين يريد المستخدمون أن يدعموهم بتقاسم بياناتهم معهم، عبر تحرير البيانات من لاعبى القطاع الخاص، القادرين على تحمل كلفة شراء البيانات، كما هو الحال اليوم.

ثالثاً، يجب إلزام شركات البنية التحتية للمعلومات «البرمجيات»، بتخصيص نسبة العُشر للنفع العام، حيث يتم حجز عشرة فى المائة من الإعلانات على منصات وسائل الإعلام الاجتماعية، لإعلانات الخدمة العامة. ويجب إلزام الشركات بالسماح لعشرة فى المائة من كل بيانات المستخدمين بالتدفق (بطريقة آمنة) إلى الباحثين فى شئون المجموعات المدنية، والصحفيين الاستقصائيين، والتربويين، ووكالات الصحة العامة. رابعاً، يجب توسيع القاعدة غير الربحية للبيانات. وفى الحقيقة، توجد لدى معظم الديمقراطيات قواعد تمنع المؤسسات من الربح من بيع أنواع معينة من البيانات العامة. خامساً، يجب أن تُجرى الوكالات العامة عمليات تدقيق منتظمة على خوارزميات منصات الإعلام الاجتماعى، والأنظمة المؤتمنة الأخرى، التى يعتمد عليها المواطنون الآن للحصول على المعلومات.

لا يُعد ما ذكره «فيليب هوارد» من قبيل المبالغة فى العلاج والتقييد على هذا السوق الهائل، فقد وقف الرئيس التنفيذى لـ«كامبريدج أناليتيكا» يتفاخر يوماً بدور شركته الكبير، فى التأثير على الانتخابات الأمريكية، من خلال استخدام المومسات والرشوة المالية و«فخاخ العسل»، بقصد تشويه سمعة السياسيين المعارضين، كما ادعى أن الشركة ساعدت دونالد ترامب فى حملته الرقمية على مواقع التواصل، بما فى ذلك القيام بأنشطة غير مشروعة، مما دفع مفوض المعلومات فى المملكة المتحدة لطلب تفتيش خوادم الشركة للتأكد مما جرى.

وبدورى لا أظن أننى وآخرين قد صدقنا بارتياح ردة فعل مارك زوكربيرج و«الفيس بوك» بحظر «كامبريدج أناليتيكا» من الإعلان على منصة الموقع، بفرضية عدم توفر العلم بهذا الاختراق، فالغالبية تميل إلى أنه كان هناك قدر من العلم، لكن التمرير تغلَّب فى النهاية. فسطوة و«شراسة» الواقفين على أبواب ثلاجاتنا الشخصية لا تتورع عن العبث بمقابضها ومحتوياتها، فاليوم هى السلعة الكنز، التى لن تُترك حتى تتجمد، بل الأوفق أن يتم تداولها طازجة حتى يمكنها أن تدر مليارات الدولارات وأطناناً من المصالح والصفقات.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل