د. لميس جابر د. لميس جابر عن المناهج.. ولا حياة لمن تنادى
10:00 م | الجمعة 17 أغسطس 2018

كتبت كثيراً عن مناهج التاريخ المدرسية وعن أخطائها وعقم العرض والسرد واعتمادها على الحفظ وليس على الفهم. وبما أن كل ما كتبته ذهب أدراج الرياح ولا حياة لمن تنادى، فقد أصابنى اليأس والإحباط، وتأكدت أنه لا فائدة، وتوقفت.. ثم ألحّ علىّ ضميرى بشدة بعد أن تصفحت مقرر تاريخ السنة السادسة الابتدائية الذى يدرس لأطفال لم يبلغوا الثانية عشرة من العمر، وقررت أن أكتب، ربما للمرة الأخيرة:

أولاً: تعتمد مناهج التاريخ فى السنوات الرابعة والخامسة والسادسة الابتدائية على إعطاء الأطفال فكرة مبتسرة ومعلومات متناثرة عن تاريخ مصر كله، بداية من مينا موحد القطرين، وحتى إنجازات ثورة يناير المجيدة، ولا يوجد عبقرى على وجه الأرض يستطيع أن يستوعب خمسة آلاف عام من التاريخ فى ثلاثة كتب صغيرة.

ثانياً: فى العام الرابع الابتدائى يدرس الأطفال التاريخ المصرى القديم كله حتى الغزو الفارسى فى عدد عشرين صفحة صغيرة تقريباً، وفى الخامس الابتدائى مثل ذلك منذ الإسكندر الأكبر وحتى «قطز» وهزيمة التتار، والسادس يبدأ بالغزو العثمانى حتى ثورة يناير المجيدة.

ثالثاً: تكلمت عن مناهج السنتين الرابعة والخامسة، والآن جاء دور العام السادس الابتدائى الذى يغطى ستمائة عام من تاريخ مصر بنفس الطريقة. ما علينا.. يبدو أنه قدر مفروض علينا، ولكن أن يكون مع هذا الحشو المتناثر أخطاء، فهذا شىء سخيف وبغيض، وعلينا أن نتحمل أن لدينا أجيالاً قد كرهت تاريخ بلادها بعد أن تم تحفيظهم هذه السطور المنعزلة «صم»، بواسطة مدرس خصوصى، ثم يُمحى كل هذا من عقولهم فور خروجهم من الامتحان، ولا أعرف لماذا لا يتم إلغاء هذه المادة تماماً، توفيراً للجهد والأموال والأوراق التى تذهب إلى «مقلى اللب» فور الانتهاء من العام.

رابعاً: بعض قليل من أخطاء منهج العام السادس الابتدائى هى كالآتى: فى موقعة أبى قير البحرية يتم حرق الأسطول الفرنسى بالكامل فى واقعة شهيرة ومعروفة، وتوجد أفلام وثائقية تتحدث عن هذا الحريق الهائل، ولكن السيد واضع المنهج يقول: «تحطم الأسطول الفرنسى»، ولا داعى لتوقع أسئلة طفل صغير يسأل: كيف يتسنى لنيلسون، قائد الأسطول الإنجليزى، أن يحطم أسطولاً بأكمله؟ وفى أحداث ثورة القاهرة الأولى يقول المنهج إن نابليون استخدم الشدة والعنف فى معاملة الثوار، ولا يذكر شيئاً عن ضرب الأزهر بالمدافع وضرب الأحياء المجاورة له وهدمها.. ثم يذكر دخول الفرنسيين الأزهر وهم يركبون الخيل «وفى هذا إساءة لحرمة ومكانة الأزهر»، ولا يذكر تحطيم الأزهر وحرق ودهس الكتب النادرة وربط الخيل فى محراب الجامع!!

وعن القبض على زعماء الثورة وإعدام ستة منهم، فالحقيقة أنهم ثلاثة عشر، أما عن عدد القتلى من الأهالى تحت أنقاض ضرب المدافع فقد زاد على الألفين، غير ألفين أو أكثر تم إعدامهم فى القلعة، وإلقاء جثثهم فى النيل، وغير ذلك الكثير من وحشية نابليون وجيش نابليون، ولا أعرف لماذا الطبطبة والحنان والهدوء الذى يشوب تاريخ الحملة الفرنسية ذات الإنجازات العلمية العظيمة.

وفى أحداث ثورة القاهرة الثانية قرر واضع المنهج أنها كانت بزعامة «عمر مكرم» فى حى بولاق، والحقيقة أنها كانت بزعامة «مصطفى البشتيلى» الذى أشعل الثورة فى بولاق وانتقلت منها إلى باقى أنحاء القاهرة، وكان دور عمر مكرم مع عدد من المشايخ والعلماء دعماً فقط، حتى إن الفرنسيين أحرقوا حى بولاق بالكامل من أجل القبض على «مصطفى البشتيلى» وإعدامه.

وفى تاريخ محمد على يقول الكتاب إن عمر مكرم والشيخ الشرقاوى، شيخ الأزهر، هما فقط من تزعّم تولية محمد على، والحقيقة أن عدداً كبيراً من المشايخ، وليس هما فقط، تولوا توليته بعد ثورة شعبية عارمة بلغ تعدادها أكثر من أربعين ألف مصرى. وفى الصفحة التالية على الفور: «محمد على ينفى عمر مكرم ويعزل الشيخ الشرقاوى عن مشيخة الأزهر»، وهى معلومة تُكتب لأول مرة، وأول سابقة فى كتب التاريخ، لأن الشيخ الشرقاوى مات عام 1812 وهو شيخ للأزهر، وطلب محمد على من المشايخ أن يختاروا فيما بينهم شيخاً للأزهر، وكان الشيخ «الشنواتى».

وباقى الأخطاء كثيرة جداً ولا يكفيها مقال واحد، ولكن تأتى الكارثة الكبرى فى ثورة يناير المجيدة التى لا يُعقل أن تتحول إلى تاريخ، والتى أيضاً ما زال الجدال حولها يدور، والكثير من المصريين مقتنعون بأنها مؤامرة لا ثورة ولا مجيدة ولا يحزنون، وأنها السبب فى خراب مصر.. ومع ذلك يقول الكتاب، فى مفاجأة مدوية، إن من إنجازات ثورة يناير «الإفراج عن المعتقلين السياسيين والمسجونين». هل يقصد السيد المؤلف واقعة اقتحام السجون وإخراج مرسى وأعوانه فى 29 يناير، أم يقصد المسجونين الذين أفرج عنهم مرسى فور توليه كرسى الحكم، ومنهم قتلة السادات، ومنهم «حبارة»، بطل مذبحة رفح الأولى والثانية؟ إذا كان هذا هو إنجاز ثورة يناير فهو خطأ أيضاً، ولا بد من تصحيحه، ولا بد أن تُنسب الأفضال لأصحابها، ولا بد من التصحيح بأن هذا هو إنجاز الإخوان، وأنها -أى المجيدة- كانت ثورة إخوان ونخلص. هذا الخلط والسفه والضلال المبين يدرس للأطفال فى عمر الحادية عشرة وهم ما زالوا يذكرون الأيام السوداء يوم أن بات المصريون أمام منازلهم يحرسونها، ويذكرون الحرائق والخراب الذى شاهدوه على الشاشات. قررت أن أكتب وأنا واثقة أن أحداً لن يقرأ، وإذا قرأ لن يهتم، ولكنى كتبت لأغسل يدى من ذنوب تُرتكب فى حق أجيال، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل