د. محمود خليل د. محمود خليل بوابة إبليـس (1)
الثلاثاء 21-08-2018 | PM 10:03

لا يعرف البشر قصة أخلد منها، تلك هى قصة الصراع بين «إبليس وآدم»، حكتها كل الكتب السماوية، وتناولتها جميع التواريخ الإنسانية، واجتهد المفسرون فى تأويل أحداثها ووقائعها التى احتضنها «الملأ الأعلى». لم تكن لحظة عادية تلك التى أقسم فيها «إبليس» ليحتَنِكنّ آدم وذريته إلى يوم يبعثون. لم يكن «إبليس» مخلوقاً عادياً، مثل غيره من الملائكة أو الجن، بل كان أهمهم وأخطرهم. فهو سر اللعنة على الأرض، اللعنة التى تدفع مَن يعيش فوق ترابها إلى الفساد وسفك الدماء. إنه «طريد الفردوس» الذى تحكى كتب التراث أنه أُرسل فى مهمة إلى الأرض -قبل خلق آدم- لمحاربة الجن المفسدين والسفاحين، فإذا به يمثل فيما بعد أداة تكريس هذا التوجه لدى آدم الخليفة الذى اختاره الخالق ليعيش فوق أرضه.

تشابكت أحداث عديدة قبل أن تُفضى بكل من آدم وإبليس إلى أرض الله، لتبدأ فصول مأساة «بنى آدم» عبر «بوابة إبليس»، أحداث حاول المفسرون فض الاشتباك بينها بتأويلات لا تخلو من غرابة، خصوصاً عندما توقفوا أمام تلك الإشكالية التى تحكى عودة «إبليس» إلى الجنة ووسوسته لآدم، بعد طرده منها، وتساءلوا: كيف عاد إبليس إلى الجنة بعد أن حكم الله عليه بالنفى منها؟. وهى إشكالية قديمة متجددة، تصدى لها القدماء والمحدثون من المهتمين بتأويل القرآن الكريم وتفسير آياته. حديث الأبالسة ظل مصاحباً للبشر طيلة تاريخهم، وكما بحثوا عن تأويل له بالأمس، اجتهدوا فى يومهم بخلق «شيطانهم» الخاص الذى يخيفون به الودعاء الطيبين، إلى حد عدم البخل بأى مجهود يبذل من أجل اختراع «شيطان» فى الأوقات التى يستنيم فيها شيطان الكتب السماوية.

سببان أساسيان أشار إليهما القرآن الكريم فى معرض الحديث عن سر «لعنة إبليس». السبب الأول «ادعاء الألوهية» والسبب الثانى «كبره وغروره» اللذان صرفاه عن تنفيذ أمر الله له بالسجود لآدم. يرى المفسرون أن ادعاء إبليس الألوهية أشارت إليه الآية الكريمة: «وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ» (الأنبياء - 29). يذهب «ابن كثير» فى تفسيره إلى أن كلمة «منهم» فى الآية الكريمة تشير إلى الملائكة، وأن الآية فى المجمل تعنى إبليس، فإبليس -استثناء- بين الملائكة ادعى الألوهية، ويشير «ابن الأثير» فى «تاريخه» إلى أن إبليس كان إماماً ورئيساً للملائكة، وأن الله تعالى ملّكه على سماء الدنيا والأرض، وجعل منه خازناً على الجنة (لذلك وصف الشيطان بالجنىّ).

ورغم محاولة كتب التراث عدم التوقف كثيراً أمام مسألة ادعاء إبليس للألوهية، فإنها قدمت طرحاً خطيراً يؤشر إلى تكليف الخالق العظيم لإبليس بمهام معينة على الأرض. تأمل النص الذى يقول فيه «ابن الأثير»: «روى أبوصالح عن ابن عبّاس ومُرّة الهمدانى عن ابن مسعود أنهما قالا: لما فرغ الله تعالى من خلق ما أحبّ استوى على العرش، فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا، قال ابن عباس: وكان اسمه عزازيل وكان من أشدّ الملائكة اجتهاداً وأكثرهم علماً، فدعاه ذلك إلى الكبر، وهذا قولٌ ثالث فى سبب كبره». هذا الطرح لا يستقيم مع عقل أو منطق إيمانى فكيف يمكن القبول بفكرة أن الله تعالى الذى له ملك السماوات والأرض وليس له شريك فى ملكه أن يمنح إبليس مساحة للتدخل فى إدارة السماء الدنيا والأرض. من الواضح أن المفسرين لجأوا إلى هذه القصص المختلقة فى محاولة لتأويل آية «وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّى إِلَهٌ مِّن دُونِهِ»، رغم عدم حاجتهم إلى ذلك، لأن المعنى فيها ينطبق على أى مخلوق يزعم الألوهية لنفسه.

تعليقات الفيس بوك

عاجل