د. محمود خليل د. محمود خليل النفوس كهوف
الثلاثاء 28-08-2018 | PM 09:59

يقول «ابن الأثير»: «كان أصحاب الكهف أيّام ملك يقال له دقيانوس، وكانوا بمدينة للروم اسمها أفسوس، يعبد أهلها الأصنام، وكانوا فتية آمنوا بربّهم كما ذكر الله تعالى، وكان سبب إيمانهم أنه جاء حواريّ من أصحاب عيسى إلى مدينتهم فأراد أن يدخلها، فقيل له: إنّ على بابها صنماً لا يدخلها أحد حتى يسجد له، فلم يدخلها وأتى حمّاماً قريباً من المدينة، فكان يعمل فيه، ورأى الفتية المؤمنين فجعل يخبرهم خبر السماء والأرض وخبر الآخرة حتى آمنوا به وصدّقوه، ولما علم الملك بأمرهم خرج يطلبهم فهربوا وتبعهم كلبهم حتى آواهم الليل إلى الكهف، فقالوا: نبيت ههنا حتى نصبح ثمّ نرى رأينا، فدخلوه فرأوا عنده عين ماء وثماراً، فأكلوا من الثمار وشربوا من الماء، فلمّا جنّهم اللّيلُ ضرب الله على آذانهم ووكّل بهم ملائكة يقلّبونهم ذات اليمن وذات الشمال لئلاّ تأكل الأرض أجسادهم، وبقوا على هذه الحال زماناً بعد زمان، حتى أراد الله لهم أن يستيقظوا».

ظلوا كذلك «حتى أراد الله لهم أن يستيقظوا».. هكذا يختتم ابن الأثير روايته عن أهل الكهف، وعندما استيقظت هذه المجموعة من المؤمنين وجدوا أنفسهم على حال غير الحال التى ناموا عليها، ولحظة أن خرج أحدهم من الكهف ليشترى لأصحابه طعاماً عاين فى المدينة وجوهاً غير الوجوه التى تركوها بالأمس. مات «دقيانوس» وخلفاؤه ومن جايله وجايلهم من أهل المدينة، ولم يعد فيها غير المؤمنين برسالة عيسى التى آمن بها أصحاب الكهف بالأمس وطاردهم الملك وجنوده بسبب إيمانهم بها. هكذا تغيرت الأحوال وتبدلت الظروف.

الحكمة الأساسية التى يمكن الخروج بها من قصة أهل الكهف أن الإنسان عندما يعاين فى الواقع ما يغضبه أو ما لا يرضى عنه فيكفى جداً أن يلوذ بكهف نفسه. اترك هذا الذى لا يرضيك ولا تقبله والجأ إلى نفسك، ولُذ بما تؤمن به حتى ولو أنكره الناس جميعاً. «دع المقادير تجرى فى أعنّتها.. ولا تبيتن إلا خالى البال.. ما بين غمضة عين وانتباهتها.. يغير الله من حال إلى حال». لا ترهق نفسك فى مواجهة أوضاع لا تقبلها، واعلم أنها سوف تتغير من تلقاء نفسها، لأن كل شىء فى هذه الحياة تكمن فيه جرثومة فنائه، مثلما يتحرك ويتسكع فى دروب الحياة بجرثومة بقائه.

«بقوا على هذه الحال زماناً حتى أراد الله لهم أن يستيقظوا». وعندما استيقظ أهل الكهف وجدوا المدينة التى كانت بالأمس غارقة فى الضلال قد استيقظ ضميرها، وهرولت إلى حظيرة الإيمان، ولم يعد لدقيانوس وجود. يقول الله تعالى: «وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيهَا». إنها «ساعة الحساب»، تلك الحقيقة الكبرى التى لو تذكرها البشر لسلكوا فى الحياة بما يليق بالحياة، ولعاملوا الأحياء بما يليق ببشر كرمه الله لكونه «بنى آدم»، بغض النظر عن دينه أو جنسه أو لغته أو قناعاته. لُذ إلى كهف نفسك وآمن بأن يوم الحساب آتٍ.

تعليقات الفيس بوك

عاجل