ماريان سعيـد ماريان سعيـد تلاميذ بلا "محفوظ"
الجمعة 31-08-2018 | PM 05:36

في كل عام مع اقتراب ذكرى الأستاذ نجيب محفوظ أبحث عن زاوية جديدة للحديث عنه، يستغرق الوقت بحثا وعصفا ذهنيا وأفكارا تعجبني وأخرى مكررة لا تليق بعملي على الذكرى لكن هذا العام اكتشفت أن هناك شريحة كبيرة من جيل يتابع الفضائيات ويدرس اللغات ويهتم بالأفلام الهابطة لا يعرف نجيب محفوظ، فأدركت أن لا حاجة لنا بالزوايا لكن "ذكر فإن الذكرى تنفع".

كيف لا يعرفون أديب نوبل الذي ارتبط اسمه بالأدب لدى جيل غير قارئ في معظمه، فهو الكاتب الذي يعرفه الجميع حتى لو لم يعرفوا الكتابة والقراءة فهو ضمن أبجدية المعرفة المتوارثة مذ وطئت قدماه أرض الجدل بثلاثيته الفلسفية وروايته ذائعة الصيت "أولاد حارتنا"، وكل عمل تحول إلى فيلم أو مسلسل فصبغ مشاهديه بصبغة محفوظية تظهر في جانب من حياتهم دون أن يشعروا.

لكن الجيل الذي تسممت أفكاره بالأفلام الهابطة، وشُكل وعيه من مواقع التواصل الاجتماعي، ورأى مهازل المجتمع "اللاأخلاقية" ولم يجد من ينهرها، الجيل الذي بنى ثقافته من "الواتباد" وهو موقع ينشر قصص وروايات لغير المتحرفين تفتقر للإبداع والصحة المعلوماتية، والكتب، التي تحسب ظلما على الأدب، لا يعرف من هو نجيب محفوظ وإن عرف اسمه –وهذا إنجاز- لم يقرأ له عملا.

لست بصدد اتهام جيل كامل ولد بميلاد الألفية الثالثة وبدأ يرى الدنيا من منظار منتجي "الأفلام الرخيصة"، لكني أقصد شريحة موجودة بالفعل يتندر عليهم البعض بمجرد سرد جهلهم دون التفكير في مصير أمه كاملة ليست فقط "لا تقرأ" لكنها أيضا تعاني من "تسمم فكري".

"إذا لم ينقرض الجهل من بلداننا سيأتي السياح للتفرج علينا بدل الآثار" قالها نجيب محفوظ لكنا لم نتعظ، فما تركه قبل سنوات أزداد سوءا، كان نجيب يروج لأفكاره في كل بيت في مصر من خلال الأفلام المقتبسة عن روايته، وكانت الأفلام في معظمها منقولة عن أعمال أدبية حقيقة لنجيب محفوظ وغيره من الأدباء الذي أثروا الحياة الثقافية خلال القرن الماضي كيوسف إدريس وتوفيق الحكيم وغيرهم، كانت المدارس لا تُشعر الطالب الذي يقرأ رواية عربية بالعار، لم يكن الشباب يتفاخر بـ"تفاهته" وهذا موجود على مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة، لم نكن نرى لغتنا "غير راقية" فنستبدل الكلمات بأُخر من لغات أخرى وخصوصا الإنجليزية.

يبدو أن الفجوة بين المثقفين والعامة تتفاقم وبموجب دراستي للأدب لا استطيع ظلمه واتهامه بعدم تعبيره عن المجتمع الحالي، فهناك العديد من الأعمال الأدبية التي تعبر عن المجتمع وبها من الإبداع ما يجذب القارئ أو المشاهد إن تحولت للشاشة، ولن ألقي باللوم على "العرض والطلب"، كما لا ننكر المحاولات الدائمة من الهيئات الثقافية للوصول للشباب لكنها مسؤولية عامة فالمثقفين عليهم أن يدركوا أن على عاتقهم مسؤولية تقويم المجتمع ورفعه ثقافيا وذلك لا يتحقق بالندوات ولا في المجلات التي لا يشتريها سوى عشاق الأدب، ولا بالأبحاث الأكاديمية والعمل في الغرف المغلقة فإن لم يترك المثقفون الآليات القديمة لنشر المعرفة لن يصلوا أبدا لجيل يعيش في عالم من التقنيات الحديثة.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل