«خصوبة أفريقيا» تُسيل لعاب الشرق والغرب

كتب: أحمد مصطفى أحمد

«خصوبة أفريقيا» تُسيل لعاب الشرق والغرب

«خصوبة أفريقيا» تُسيل لعاب الشرق والغرب

رحلت الانتدابات الغربية، وأشكال الوصاية العسكرية المعتادة، إلا أن الدول التى عُرفت فى الماضى باستعماراتها، لا تزال تطرق أبواب المنطقة بما يشبه «الاستعمار الزراعى» للسيطرة على منابع الغذاء فى العالم، وقد اتخذت فى سبيل ذلك أشكالاً جديدة تضمن بها وجودها، وتحقق مبتغاها فى الوجود الجغرافى فى كل الدول الغنية بالأراضى الخصبة، بمعنى آخر رحلت الدبابات وبقيت الأموال، وهذه المرة تحول الاستعمار العسكرى إلى «زراعى» تحتل به الدول الغنية الشعوب الفقيرة ليس بقوة السلاح تلك المرة، وإنما بقوة المال وتحت مسمى «الاستثمار الزراعى»، وبالنظر إلى حقيقة أنه لم يكن الاستعمار الأجنبى للدول الفقيرة محض صدفة أو استعراضاً للقوة على مدار التاريخ، ولكنه دائماً مرتبط بالبحث عن موارد جديدة للدول الغنية لضمان أمنها الغذائى أو تأمين احتياجاتها الأولية، فإنها تبقى نفس الظروف التى تتوافر حالياً.

 

ويبدو أن آثار الاحتباس الحرارى على العالم لم تعد تقتصر فقط على التخوف من مستقبل الكوكب، ولكن التخوف انعكس على السياسات الفردية للدول خاصة الغنية منها، وبدأت تلك الدول وشركاتها تتنافس على الاستحواذ على الأراضى الخصبة فى القارتين الأفريقية وأمريكا الجنوبية، باعتبارهما الأفقر فى العالم والأكثر حاجة للأموال، حيث تقوم الدول الغنية بشراء حق استغلال أراضى الدول الفقيرة وزراعتها لضمان توافر احتياجاتهم الغذائية وضمان الخطة البديلة فى حالة تدهور المناخ فى بلدهم، وقتها سيتم الاستفادة من الأراضى التى تم الاستحواذ عليها فى الدول الفقيرة للاستفادة من محاصيلها.

 {left_qoute_1}

 

ومن بين البلدان الأفريقية التى وقعت أراضيها «فريسة» للاستعمار الأجنبى، حسب أحدث دراسة أجرتها شبكة «ثنكنج أفريكا» فى 2016، وصدرت مؤخراً، فإن مدغشقر باعت 3.7 مليون هكتار، تليها إثيوبيا بـ3.2 مليون هكتار، والكونغو الديمقراطية فى المرتبة الثالثة بـ2.8 مليون هكتار، بينما السودان باعت 1.6 مليون هكتار. فى المقابل تصدرت الصين قائمة أكثر الدول شراءً واستئجاراً للأراضى الأفريقية بـ4.5 مليون هكتار حتى 2016، بعدها أمريكا 3.2 مليون هكتار، فى حين «استحوذت» كل من بريطانيا وماليزيا على 2.5 مليون هكتار. «الوطن» ترصد فى السطور التالية تحركات الدول الغربية من خلال شركاتها الضخمة للسيطرة على أكبر قدر ممكن من الأراضى الزراعية فى القارة السمراء، ومحاولة فهم طبيعة وأهداف هذه التحركات الفترة المقبلة.

{long_qoute_2}

نشر صندوق النقد الدولى، مؤخراً، ورقة بحثية تقدم دليلاً نظرياً وعملياً على توسع الدول والشركات متعددة الجنسيات فى الاستحواذ على الأراضى الزراعية فى دول أخرى تتسم بخصوبة أراضيها.

ويوفر البحث الذى أعده ثلاثة باحثون، هم رباح أرزقى، وكريستيان بوجمان، وهاريس سيلود، ونُشر على موقع الصندوق تحت ملاحظة أنها «لا تعبر بالضرورة عن الصندوق»، تصوراً جغرافياً لخريطة الاستحواذات على الأراضى الزراعية، وأكد أن الاستثمارات الدولية تشترط بالأساس ضمان تصدير منتجات تلك الأراضى إلى الدول المستثمرة بدلاً من الاحتكام لسياسات الأسواق العالمية.

وبحسب الورقة البحثية، فإن سعى الشركات متعددة الجنسيات والدول للاستحواذ على الأراضى الزراعية يثير أسئلة مهمة تتعلق بالتخوف الزائد من الأمن الغذائى والاقتصادى وأساليب التحوط منها. خاصة بعد زيادة عمليات الاستحواذ على الأراضى خلال العقد الماضى، ما يعيد ذكريات من الحقبة الاستعمارية فى القرن الخامس عشر، حين نشطت كل من البرتغال وإسبانيا، فى ذلك الوقت فى استخدام قواتها البحرية المتقدمة لغزو عدد كبير من البلدان فى جميع أنحاء العالم للسيطرة على موارد الأرض لهذه البلدان، تلتها الإمبراطوريات الاستعمارية الفرنسية والبريطانية والهولندية واليابانية، الذين أقاموا قواعدهم العسكرية على الأراضى الأجنبية للسيطرة على مساحات شاسعة من الأراضى، هذه الغزوات أدت إلى التوسع الهائل فى التجارة العالمية فى الموارد الطبيعية والمنتجات الزراعية، إلا أنها تسببت فى انتشار العبودية للعمل فى المزارع بأقل التكاليف.

وأشار الصندوق إلى أن الأمر بدأ فى أعقاب ارتفاع أسعار المواد الغذائية فى 2007/2008، حين ازداد الاهتمام بالاستحواذ المباشر على الأراضى الزراعية فى الدول النامية والناشئة، عبر الشركات متعددة الجنسيات، ما أدى إلى خلاف وجهات النظر بين فريقين، أولهما أولئك الذين يستقبلون الاستثمارات الأجنبية، على أمل أن يساعدوا على رفع إنتاجية الأراضى الزراعية فى البلاد الناشئة، وتخفيف حدة الفقر، والفريق الآخر يرى أن تلك الظاهرة ما هى إلا احتلال مقنع للأراضى.

ولفتت الورقة البحثية إلى أن زيادة الاهتمام من المستثمرين الدوليين للحصول على الأراضى الزراعية هو جزء من مجموعة أوسع من التطورات التى طرأت على طبيعة تجارة المحاصيل العالمية، وتنامى دور الشركات متعددة الجنسيات والاستثمار الأجنبى المباشر فى تعزيز نمو هذا القطاع، ودور أكثر أهمية للسلاسل العالمية فى توسيع نطاق عرض الأغذية.

{long_qoute_1}

كما تسببت زيادة الاهتمام من الدول والشركات متعددة الجنسيات بالتركيز على القطاع الزراعى فيما قد يطلق عليه «العولمة الزراعية» فى زيادة حجم تجارة السلع الزراعية عالمياً بشكل كبير خلال فترة أقل من ثلاثة عقود، لتقفز من نحو 200 مليار دولار فى عام 1980 إلى ما يقرب من 1.1 تريليون دولار فى عام 2010، ما يعد أكبر نمو سجله أى قطاع آخر خلال الفترة نفسها.

المثير للاهتمام، أن التزايد الملحوظ للمستثمرين كأفراد أو كمؤسسات للحصول على مساحات كبيرة من الأراضى تزامن مع الطلب المتزايد على المواد الغذائية عالمياً مدفوعاً بارتفاع الدخول والنمو السكانى، ما يشير إلى أن العولمة قد دخلت مرحلة جديدة تدمج فيها الأراضى البكر فى البلدان النامية بالاقتصاد العالمى.

وشبه الباحثون عام 2012 بـ«المنعرج الجديد» الذى تتخذه الدول المتقدمة والشركات متعددة الجنسيات، بما حدث فى الصين حين زادت الاستثمارات الأجنبية فى الصين لاستغلال وفرة الأيدى العاملة هناك، الأمر نفسه يتكرر اليوم فى أفريقيا حيث تحول مستثمرو العالم للاستحواذ على الأراضى فى أفريقيا وفى أماكن أخرى للاستفادة من النمو الكبير من إنتاجية العامل هناك.

لكن هناك أيضاً اختلافات بين سر اهتمام أصحاب الأموال بأفريقيا مقارنة باهتمامهم بالصين فاستناداً إلى حساب تجريبى مبكر لهذه الظاهرة قدم باحثون فى 2015 دليلاً على أن المستثمرين يميلون إلى تفضيل البلدان التى لا يوجد بها حقوق تضمن ملكيات السكان المحليين، ما يثير مخاوف العديد من المراقبين العالميين، حيث إنه من المفترض أن هذا السبب يعتبر من أكبر أسباب هروب المستثمرين من أى بلد، ليس ذلك فحسب فهو يتعارض مع مسلمات الاستثمار الأجنبى، وهو أمر مثير للدهشة بحسب معدي الورقة البحثية.

{long_qoute_3}

ويؤكد الباحثون أن المستثمرين يستخدمون التكنولوجيا المتقدمة فى بلدانهم والمشاركة فى مؤسسات متعددة الجنسيات لزيادة إنتاج تلك الشركات فى الخارج. وأن التنوع الزراعى لا يعتمد فقط على الدولة التى تقام فيها الزراعات، بل ترتبط أيضاً بشكل أساسى ببلد المستثمرين أصحاب تلك الزراعات، ففى حين تؤدى الاختلافات فى الظروف الزراعية البيئية إلى اختلاف المنتجات الزراعية حول العالم، فإن المنتجات الزراعية أيضاً تختلف باختلاف التكنولوجيات الزراعية المستخدمة، والتى يوفرها المستثمرون. وفى كل بلد هناك سعران للأراضى، سعر ثابت للأرض كمساحة، وسعر آخر تضاف فيه قيمة ما توفره تلك الأراضى من منتجات فى قطاع التجارة الزراعية العالمية.

وأظهرت الورقة البحثية أن الاستثمار فى الأراضى يعتمد على 3 عناصر هى، جودة الأراضى، والتكنولوجيا المستخدمة فى الزراعة، وكذلك سهولة الوصول إلى الأسواق العالمية، حيث تتأثر الدولة التى لديها أراض صالحة للاستثمار الزراعى ببعدها عن أسواق التصدير، حيث يفضل المستثمرون امتلاك أراض فى دول تتمتع بموقع جغرافى مناسب، إلا أنه وفى الوقت نفسه اعتبر بعض المستثمرين أن ابتعاد الدولة التى يستثمرون فى أراضيها الزراعية عن المجتمعات الحضرية يضمن لهم منافسة أقل على تلك الأراضى. وتوصل البحث إلى نتيجة مؤكدة، وهى أن بعد البلد المضيف عن أماكن الأسواق الاستهلاكية يعد عاملاً إيجابياً وحاسماً فى قرارات المؤسسات الاستثمارية للاستحواذ على الأراضى، فى إشارة واضحة إلى أن المستثمرين فى الأراضى الزراعية سواء دول أو شركات يسعون إلى البعد عن المنافسة فى سعيهم لضمان استقلالهم فى تأمين الغذاء وأن تلك الاستثمارات لها أغراض أخرى غير الربحية. كما أن عزلة الدول صاحبة الأراضى الخصبة أصبح عاملاً إيجابياً فى جذب الاستثمارات إليها، وفى ظل انخفاض العرض وزيادة الطلب على الأراضى الزراعية، يتنافس المستثمرون مع بعضهم البعض فى الاستثمار بالمناطق النائية لحماية أنفسهم من المنافسة.

وكشفت الدراسة عن وجود مساحة قليلة من الأراضى الصالحة للاستثمار الزراعى فى كل من الشرق الأوسط وشمال أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ وﺟﻨﻮب ﺷﺮق آﺳﻴﺎ، فى حين أن صحراء أﻓﺮﻳﻘﻴﺎ وأﻣﺮﻳﻜﺎ اﻟﻼﺗﻴﻨﻴﺔ لا ﺗﺰال فيها فرص لاستغلال الأراضى المتاحة للزراعة حيث تشكل الغابات ما يقرب من 63٪ من جميع الموارد المتاحة.

وبحسب الدراسة فإن ما يقرب من 80٪ من المفاوضات على الاستحواذ على الأراضى تمت بين عامَى 2006 و2013. وبنهاية مايو 2016 وصل عدد الصفقات إلى 2152 صفقة، بإجمالى 58.4 مليون هكتار، تمت للاستحواذ على الأراضى فى 88 دولة فى جميع أنحاء العالم. ما يعادل تقريباً مساحة بحجم فرنسا أو أوكرانيا، أو 13 ضعف حجم هولندا. ويتضح من ذلك أن دول جنوب الصحراء الأفريقية استقبلت 884 صفقة، وشرق آسيا 611 صفقة، متصدرين قائمة أهم المناطق المستهدفة للاستثمار، تليهما أمريكا اللاتينية 368 صفقة، بينما تم تسجيل عدد قليل من الصفقات خارج هذه المناطق. واتجهت 76.5٪ من إجمالى الصفقات إلى الصفقات الزراعية المتعلقة بالوقود الحيوى، ما يعكس أن صفقات الاستحواذ على الأراضى على نطاق واسع مؤخراً كانت مدفوعة جزئياً من توقعات القطاع الخاص من ارتفاع مستوى الغذاء والوقود الحيوى، والمخاوف الحكومية بشأن استقلال الغذاء.

ولفتت الدراسة إلى أن عمليات ما سمته بـ«الاستيلاء على الأراضى» أصبحت أكثر تعقيداً فى ﺧﻼل اﻟﻔﺘﺮة اﻷﺧﻴﺮة، رﺑﻤﺎ ﺑﺴﺒﺐ رﺻﺪ اﻟﻤﺠﺘﻤﻊ اﻟﻤﺪﻧﻲ اﻟﻤﻜﺜﻒ وزﻳﺎدة اﻟﺸﻔﺎﻓﻴﺔ من المبادرات.

وتوصلت الدراسة إلى أن هناك ربطاً بين عدد سكان الدول التى تشترى أراضى فى المناطق الزراعية الخصبة وبين المساحة التى تسعى للاستحواذ عليها، فكلما ارتفع عدد السكان تسعى الدول والشركات التابعة لها للاستحواذ على المزيد من الأراضى. وعلى عكس المعروف من أن بُعد المسافات بين أى طرفين فى الصفقات الدولية يؤثر على قيمة الصفقة بسبب مصاريف النقل، فإن صفقات الاستحواذ على الأراضى دولياً لا تتأثر بهذا العامل. وبحسب البيانات فإن هناك زيادة فى الاستحواذ المباشر على الأراضى الزراعية فى الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط من قبل المستثمرين الدوليين، وتضاعف هذا الاهتمام فى العقد الماضى أو نحو ذلك.

وباستخدام بيانات عالمية عن عمليات الاستحواذ على الأراضى على نطاق واسع، كشفت الدراسة عن أن الدول الأكثر سكاناً والأعلى تكنولوجياً يفضل مستثمروها استهداف البلدان الوفيرة للأراضى التى تشارك بشكل محدود فى النظام العالمى لتجارة الأغذية بحيث تكون استثماراتهم بعيدة عن عيون المنافسين.

 

المساحات الشاسعة فى أفريقيا جذبت الشركات العالمية للاستثمار الزراعى

 


مواضيع متعلقة