عبدالعظيم درويش عبدالعظيم درويش مبارك وكرسيه.. وأموال مصر المنهوبة!
الجمعة 07-09-2018 | PM 10:01

بداية فإننى أعلم يقيناً أن السطور التالية ستثير غضب من يسمون أنفسهم «أبناء مبارك» وغيرهم من محاولى الصيد فى الماء العكر.. ولأننا اعتدنا أن يكون فى كل شىء تعبير «لكن»، فإن «لكن» التى تتعلق بهذه السطور هى ما أثارته صورة مبارك التى تداولها الآلاف على مواقع التواصل الاجتماعى أخيراً، وظهر فيها جالساً على كرسى وثير من نوعية «LAZY Boy» يصل سعره لـ1329 دولاراً، أى ما يعادل 23 ألفاً و855 جنيهاً، وفق البحث الذى أجرته جريدة «الوطن».

وجاءت صورة مبارك وكرسيه لتفتح ملف «استرداد الأموال المنهوبة»، سواء فى الخارج أو الداخل، والمتورط فيها «آل مبارك بأكملهم» وبعض من رجال عهده، خاصة أن محكمة جنايات القاهرة ستنظر، يوم السبت المقبل 15 سبتمبر الحالى، قضية «التلاعب فى أموال البورصة» المتورط فيها نجلاه «علاء وجمال»!

أما فيما يتعلق بالأموال المنهوبة من جانب «آل مبارك ورموز حكمه» وجرى تهريبها إلى الخارج، فقد بلغت ملياراً ونصف المليار جنيه مصرى، بينما لم نسترد منها سوى ما لا يتجاوز الـ100 مليون جنيه فقط على مدى نحو 7 سنوات ومن خلال 5 لجان جرى تشكيلها بقرارات وزارية منذ أبريل 2011 وحتى يونيو قبل نحو 3 سنوات، ولجان أخرى شعبية مارست دورها من أجل استعادتها، غير أنه يبدو أنها كانت مجرد «ضجيج بلا طحن»، إذ جاءت المحصلة بعد مرور 7 سنوات «صفر» مقابل إنفاق ما يزيد على «نصف مليار جنيه» فى نفقات وبدلات للسفر.. ويبدو أنه إذا استمرت هذه اللجان على حالها فإن نفقاتها ستعادل مجمل الأموال التى تسعى إلى استردادها!!

وجاءت تلك الحقيقة الصادمة فيما يتعلق بفشل هذه اللجان ليس فقط فى استرداد الأموال، بل إنها عجزت حتى عن إثبات الحجم الصحيح للأموال التى تم تهريبها، وإثباب تورط رؤوس نظام مبارك فى قضايا الفساد، ما جعل مهمة استعادة الأموال شبه مستحيلة..!! وهو ما أثار النائب مصطفى الجندى الذى طالب -فى بيان قدمه إلى رئيس مجلس النواب للمناقشة العامة- بضرورة إجراء التحقيق مع أعضاء هذه اللجان لتقديم المستندات الدالة على إنفاق كل هذه المبالغ الخيالية، وهى كلها مال عام يمثل إهداره أو تسهيل الاستيلاء عليه جريمة يعاقب عليها القانون، مؤكداً أن اللجنة القضائية أنفقت 34 مليون جنيه، قيمة ترجمة أحكام صادرة ضد المتهمين من رموز مبارك، وأنهى النائب طلبه بأن الهدف من تشكيل هذه اللجان هو «تهدئة المواطنين» أو إهدار أموال جديدة..!

الأمر يجب ألا يتوقف عند هذا الحد، إذ إنه لم يعد هناك أى مبرر أمام كافة أجهزة الدولة، وفى مقدمتها بالطبع «الدبلوماسية»، للتباطؤ فى محاولة إعادة اتخاذ الخطوات اللازمة لاسترداد حق الشعب فى تلك الأموال المنهوبة والتى جرى تهريبها إلى بنوك سويسرا وبريطانيا، خاصة أن النيابة العامة قد أكدت، بصورة قاطعة، عدم صحة الأسباب التى بُنى عليها القرار الصادر من جانب السلطات السويسرية بغلق التعاون القضائى مع مصر فيما يتعلق بالأصول والموجودات والأموال المهربة إلى داخل سويسرا بمعرفة رموز نظام مبارك!

وإذا سلمنا بما يعتقده عدد من «أبناء مبارك» بأنه قدم الكثير للوطن فإن ذلك «العار» الذى لحق باسمه فى أواخر أيامه بالاستيلاء على أموال الشعب كفيل بإزاحة كل شىء، مثلما جرفت دماء شباب الوطن فى ميدان التحرير أى إنجاز له، إذا كان هناك من بيننا من لا يزال يعتقد أنه قدم الكثير!

واقع الحال يؤكد أن حياة المواطن المغلوب على أمره كانت دوماً ثمناً لـ«فاتورة الفساد» الذى ساد على مدى عقود ثلاثة.. فمثلما انتشرت «رائحة شواء» أجساد مواطنين غلابة فى قطار الصعيد، ومثلما اشتعلت النيران فى رواد مسرح بنى سويف،‏ فقد كان لا بد أن تنتحر «عبارة السلام ‏98‏» فى مياه البحر الأحمر وعلى متنها أكثر من ألف و‏400‏ مواطن وأن يظل مالكها ممدوح إسماعيل يتسكع حراً فى شوارع لندن‏ حتى الآن، فـ«الفساد» كان قد سيطر على كل شىء وكل أحد، إلى درجة أن المسئول الأول لم يحرك ساكناً وقتها سوى «موكبه» إلى الاستاد ليتابع مباراة كرة قدم!‏

وكان لا بد أن يدعو «سماسرة الموت» أسماك البحر المتوسط كل فترة على وليمة من أجساد شباب طحنه اليأس والإحباط‏ وقتله الشعور بالغربة داخل وطنه، فراح يبحث عن أى فرصة عمل فيما وراء المتوسط، فابتلعته أمواجه مثلما امتصّته الغربة داخل حدود وطنه‏!

كوارث عديدة بسبب الإهمال سحقت من الأبرياء أكثر مما حصدته حروب أهلية فى قارة أفريقيا، فمثلاً كان لا بد أن تتمرد صخور المقطم على ذلك الواقع الذى يعيشه مهمشون فى «الدويقة» فأنهت حياتهم، وإن كان الأصح أن نقول أنهت «معاناتهم‏»!!

كان لا بد أن تنهار عمارات اكتسبت شهرة واسعة بسقوطها، وكان لا بد أن تبتلع مياه النيل مواطنين غلابة فى صعيد مصر، لنتذكر أن من بيننا مواطنين ظلمهم موقعهم الجغرافى وخرجوا حتى عن هامش الاهتمام‏.. وكان لا بد أن يخرج المئات حاملين الجراكن البلاستيك لننتبه إلى أن هناك قرى ومناطق بالكامل محرومة من مياه الشرب‏، وأن هناك ملايين يعيشون تحت خط الفقر الذى التف حول رقاب العديد منهم فخنق معظمهم‏!! مثلما كان لا بد أن ترقص أشلاء أكثر من ‏60‏ ألف مواطن كل سنة على أسفلت الطرق‏ بسبب سوء حالها!!‏

وكان لا بد أن تتحول «خلايا أجساد» مئات الآلاف سنوياً إلى «خبيثة»، وأن ترفع «كُلى» ملايين المواطنين «الراية البيضاء» أمام «الفشل»، وأن ينهش فيروس «سى» أكباد ملايين غيرهم بسبب التلوث والمبيدات المسرطنة دون أن يتحرك من كان يسكن قصر العروبة على مدى 30 عاماً!

فى النهاية.. إذا لم يكن لنا يد فى منع كل ما حدث باعتباره قد أصبح تاريخاً الآن، فإن على أجهزة الدولة جميعها أن تعيد المحاولة مرة أخرى لنسترد بقايا أموال الشعب المنهوبة، فهى حق له وتعويض بسيط عما جرى له طوال الـ30 عاماً، وحتى لا تصبح هى الأخرى تاريخاً لا يمكن إرجاعه.. ولك يا مصر السلامة.

تعليقات الفيس بوك

عاجل