د. فاطمة سيد أحمد د. فاطمة سيد أحمد الجمهوريات الأربع والجيش (٢٤)
الأحد 09-09-2018 | PM 10:02

يزج البعض -وللأسف منهم مسئولون سابقون فى أجهزة الدولة- باسم أشرف مروان كضابط كفء، وكلام من هذا القبيل لا يمت للحقيقة بصلة. مروان علاقته بالجيش تنحصر فى: أولاً، والده الذى كان يعمل ضابطاً بالجيش المصرى، وقد ترك الخدمة العسكرية وهو مدير لإدارة التعيينات برتبة لواء، أما أشرف فبعد حصوله على الشهادة الثانوية من مدرسة كوبرى القبة التحق بكلية العلوم جامعة القاهرة قسم كيمياء، وبعد حصوله على البكالوريوس جاء له أمر تكليف من الجيش، كما كان متبعاً وقتذاك لبعض التخصصات الجامعية التى يحتاجها الجيش، وعمل بالمعامل المركزية لطبيعة تخصصه الدراسى، وكان ذلك فى عام ١٩٦٦، وهو التاريخ الذى كان ناصر مهتماً فيه ببعض الصناعات العسكرية فى مجال المقذوفات والطاقة الذرية والصواريخ، ولكنه فيما بعد تعرف على منى عبدالناصر، وكانت فى هذا التاريخ ما زالت طالبة بالجامعة الأمريكية، وكانت طريقة التعارف بنادى هليوبوليس، عندما ذهب يوماً لاصطحاب شقيقته «عزة» للمنزل بعد قضاء وقت بالنادى، وكانت الصديقة المقربة لـ«منى»، وعن طريق شقيقته كان التعارف، بعدها كان يذهب لـ«منى» فى الجامعة، وتعلقا ببعضهما، وكان الرئيس ناصر قد وافق عليه زوجاً لابنته، حتى قبل أن يراه، لما سمعه من ابنته عن هذا الشاب الذكى الطموح. وبعد زواجهما كان مروان يطلب من منى أن تزكيه عند والدها ليعمل بمكتبه، خاصة بعد أن انتهت مدة تكليفه بالجيش، وقد قامت منى بتعديد مزايا زوجها وإمكانياته التى يريد أن تكون تحت تصرف الرئيس الذى وافق على تعيينه برئاسة الجمهورية تحت قيادة سامى شرف. بعد ذلك كانت علاقته بالجيش لا تتعدى التعامل مع رئيسين وهما من أبناء المؤسسة العسكرية ناصر والسادات، وحتى علاقاته ببعض الضباط الذين كانت تربطه بهم صداقة أيام الجيش، مثل «محمد فكرى وعصام صيام»، وكانوا مقربين منه ويقضون إجازة نهاية الأسبوع بالإسكندرية معاً، فقد باعدت بينهم الوظيفة الجديدة لمروان بمكتب الرئيس. بعد ذلك لم يكن لأشرف مروان أى صلة مباشرة بالجيش، اللهم إلا بعض الأحاديث العابرة التى كان يقوم بها مع بعض القيادات ليثبت لهم أهميته عند الرئيس السادات، إلا أنهم لم يعيروا أهدافه أهمية لأن طبيعة عملهم لا ينفع لها وسيط، وبالتالى كان يستخدم مكره لاستفزازهم فقط، وهناك حادثة لا يعلمها إلا القليل بهذا الخصوص، عندما تسبب مروان فى أزمة خطيرة بين السادات وأحمد إسماعيل الذى استقبل عضو مجلس الثورة الليبى ووزير الدفاع آنذاك، وحدث حوار عنيف بينهما، وقد لقّنه المشير درساً قاسياً وغضب القذافى، وأرسل إلى السادات يطلب إقالة المشير إسماعيل، وأراد الرئيس أن يمتص غضب القذافى وأن يسايره فى طلبه حتى تنتهى الأزمة، وأرسل إليه بما يعنى أن إسماعيل لن يكون عقبة فى العلاقات بين مصر وليبيا، وتم هذا دون علم إسماعيل، وكان هدف السادات إنهاء الأزمة، ولكن إسماعيل علم بالواقعة وقال إن مروان هو الذى أبلغها له، وكتب استقالته وهو فى قمة الألم، متصوراً أن السادات من الممكن أن يطيح به بالفعل لإرضاء القذافى، ولكن شرح له الفريق عبدالرحمن حسن التهامى -أمين عام رئاسة الجمهورية آنذاك- كل الظروف المحيطة بالموضوع، وانتهى غضب إسماعيل، ولم يعلم السادات بما جرى حتى وفاته.

المحطات الأخرى فى علاقة مروان بالجيش كانت عن طريق التسليح، والبداية كانت صفقة «الميراج» الفرنسة لليبيا (٧٠-٧٤)، وهى الصفقة التى ربطت بينه وبين مبارك، وأيضاً هى الصفقة التى كانت المدخل للمخابرات الفرنسية، وقبلها البريطانية، التى كانت حلقة الوصل بينه وبين الموساد. وترجع القصة إلى عام ٦٩، عندما قامت الثورة الليبية ولم يكن لديها جيش قوى ولا معدات ولا أسلحة، وعليه استعان القذافى بالقدرات المصرية بعد أن اتفق مع فرنسا على توريد ١٠٠ طائرة مقاتلة من طراز (ميراج - ٥)، ولكن لم يكن لدى القذافى طيارون لديهم عدد ساعات طيران تسمح لهم بالتدريب على هذه الطائرات، فأرسل ناصر طيارين مصريين حصلوا على جوازات سفر ليبية وسافروا إلى فرنسا للتدريب على الميراج والعودة بها، وأثناء التدريب عرف الخبراء الفرنسيون أن من معهم ليسوا ليبيين ولكنهم مصريون، وكان ذلك عندما قال أحد الطيارين الفرنسيين تعليقاً باللغة الروسية فضحك المتدربون، وهنا علم أنهم ليسوا من ليبيا، لأنها حتى هذا التاريخ لم يكن لها أى علاقة بروسيا. وبالرغم من أن الفرنسيين اكتشفوا أن الطيارين الذين معهم مصريون فإنهم غضوا البصر عن أنهم علموا بذلك، وأكملوا تدريبهم دون الإفصاح. بعد ذلك تدخّل ناصر ليحوّل دفة القذافى إلى التسليح الروسى، ولكن السادات ومبارك اللذين كانا يعلمان بمهارة طيارينا فى استخدام الميراج كانت عيونهما على أن تكون تلك المقاتلات جنباً إلى جنب مع «سوخوى» الروسية فى الحرب المقبلة. وبعد رحيل ناصر وإبعاد الخبراء الروس بواسطة السادات، كان تفكير قائد القوات الجوية مبارك والرئيس السادات أن نحصل على صفقة الميراج التى كانت تجهزها فرنسا لإسرائيل مع الصفقة السابقة للقذافى، والتى كانت بدرجة أكثر جهوزية، ولكن رئيس فرنسا وقتها (شارل ديجول) أوقف الصفقة لإسرائيل عقاباً لها على بدء الهجوم والإغارة عام ٦٧ على الأراضى المصرية. كانت مصر فى حاجة لمن يدفع لها قيمة هذه الصفقة، وكان السادات قد أعد مروان لفتح قنوات مع السعودية وليبيا ليمكن عن طريقه الإيعاز بمثل هذه المطالب التى كان يقول عليها السادات إن مروان يقوم بالأفعال التى لا يُسمح لرئيس مصر بأن يقوم بها. وهنا قام مروان بدوره عن طريق صديقه عبدالسلام جلود، عضو مجلس قيادة الثورة الليبية ورئيس الوزراء، الذى كان يحضر إلى مصر كثيراً ليستمتع بسهرات وليال صاخبة غير متوفرة بليبيا، وأيضاً ليهرب من رقابة القذافى، وكان من يعد له ما يصبو إليه هو مروان، مع أن ذلك سيكون له ضحايا للكيد فى القذافى والنيل من قياداته فيما بعد عندما حاول إثارة المشاكل مع مصر، كانت القضية الشهيرة التى أغلقت ملف جلود بمصر «قضية ميمى شكيب».

ونرجع لما قام به مروان من إقناع النظام الليبى بالحصول على الصفقة الإسرائيلية المجمدة فى مصانع الميراج الفرنسية.. من هنا كانت اللعبة الأولى لصفقات السلاح لمروان، والتى كان على علم بها السادات ومبارك، وبعد إقناع ليبيا وفرنسا بالصفقة حصل مروان على عمولة من الطرفين، ولكن الأهم أن مروان أقنع النظام الليبى بإهداء هذه الصفقة لمصر كمساعدة لها فى الحرب التى كنا نستعد لها مع إسرائيل، وأنها ستكون الطامة الكبرى لإسرائيل بأن نحاربها بالطائرات التى كانت ستحارب بها العرب. وهنا رحب القذافى، وأهدى مصر «الميراج»، وحدث لنا أثناء المعركة نقص فى قطع غيارها، فطلب السادات من مروان أن يتصرف كوسيط فى صفقات السلاح لدى الشركات الفرنسية ومعتمد لدى مخابرات فرنسا بهذا الخصوص، وعليه قام مروان أثناء حرب أكتوبر التى كانت دائرة، بالاتصال بالشركات الفرنسية والمخابرات هناك للحصول على قطع الغيار اللازمة على وجه السرعة. ولأنهم كانوا يريدون دعمه كوسيط بالمنطقة العربية كسوق لسلاحهم، فُتحت أبواب مخازن الشركات هناك أيام إجازاتها، وقامت بتوريد قطع الغيار اللازمة لنا، وتلك الواقعة منحت مروان ثقلاً وقوة فى هذا المجال للسلاح وعرف طريقه إليه، أما الطريق الآخر وهو الوصول إلى الموساد، فقد عرفه عن طريق المخابرات البريطانية وكمال أدهم السعودى.

تعليقات الفيس بوك

المقالات الاكثر قراءة

عاجل